أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
أولًا: تعريف المؤلف – John Ussher
جون أشر كان دبلوماسيًا ومستكشفًا بريطانيًا في القرن التاسع عشر، وقد عُرف برحلته إلى الشرق الأوسط وفارس (إيران حاليًا) في إطار مهمات رسمية وغير رسمية تهدف إلى الاستكشاف الجغرافي والسياسي والثقافي.
• امتاز أسلوبه بالسرد التفصيلي والملاحظات الإثنوغرافية، حيث ركز على العادات والتقاليد والمظاهر اليومية للشعوب التي قابلها، بما في ذلك الكورد، العرب، الفرس، والتركمان.
ثانيًا: عنوان الكتاب الكامل
“A Journey from London to Persepolis: Including Wanderings in Daghestan, Georgia, Armenia, Kurdistan, Mesopotamia, and Persia”
(رحلة من لندن إلى برسبوليس: بما في ذلك تجوال في داغستان، وجورجيا، وأرمينيا، وكوردستان، وبلاد ما بين النهرين، وفارس)
ثالثًا: محتوى الكتاب
الكتاب مؤلف من جزأين رئيسيين، ويغطي رحلته من لندن عبر البحر الأبيض المتوسط، إلى القوقاز، ثم إلى الشرق الأوسط، وعبوره إلى إيران، وانتهاء بزيارة أطلال برسبوليس. ويحتوي على:
1. الجزء الأول:
• الرحلة من لندن إلى القسطنطينية
• عبور البحر الأسود والوصول إلى القوقاز
• مشاهدات في جورجيا وداغستان
• الأوضاع السياسية في جنوب روسيا
2. الجزء الثاني:
• عبوره إلى شرق الأناضول وكوردستان
• زيارة الموصل وبلاد الرافدين
• لقاءات مع قبائل كوردية
• الطريق إلى همدان وأصفهان وشيراز
• وصوله إلى برسبوليس وملاحظاته الأثرية
• عودة إلى أوروبا عبر الخليج
رابعًا: أبرز النقاط في الكتاب
• مشاهدات إثنوغرافية عن الكورد في منطقة الموصل وكوردستان العثمانية.
• وصف الايزديين وعاداتهم ضمن مقاربة دينية أنثروبولوجية، رغم وجود نظرة استشراقية في كثير من تعليقاته.
• تحليلات سياسية مبكرة عن الصراع بين الإمبراطوريات في المنطقة (العثمانية، الفارسية، الروسية).
• إشارات ثقافية واجتماعية عن المرأة، الطعام، اللباس، والعمارة المحلية.
خامسًا: أهمية الكتاب
• يُعد مصدرًا نادرًا في الأدبيات الإنجليزية عن كردستان والكورد في القرن التاسع عشر.
• يعكس تصورات أوروبية نمطية عن “الشرق”، لكنه مفيد في تتبع تطور النظرة الأوروبية للمنطقة.
• يمثل وثيقة تاريخية مفيدة لفهم الجغرافيا السياسية والإثنية في العراق وكوردستان وإيران وتركيا في مرحلة حرجة من تاريخ الشرق
سادسا:الكورد كما رآهم أشر
1. الهوية والقبيلة:
يرى أشر أن الكورد يشكلون مجتمعًا قبليًا منقسمًا بين عشائر عديدة، تتفاوت في النفوذ والولاء السياسي، إلا أن ما يجمعها هو اللغة والعادات الريفية والمحافظة. وصفهم بأنهم “أشداء، يملكون كبرياء الجبال”، مشيرًا إلى استقلاليتهم في مواجهة السلطتين العثمانية والفارسية.
2. العادات الاجتماعية:
تحدث أشر عن لباس الكورد، لا سيما العمامة الكوردية والأسلحة التي يحملونها كجزء من الهوية، كما لفت إلى دور النساء، مؤكدًا أن بعضهن يظهرن في الأماكن العامة بحرية نسبية، مقارنة بالنساء في المجتمعات العربية أو الفارسية.
3. الدين والانتماء المذهبي:
أشار إلى أن أغلب الكورد مسلمون سنة، مع وجود أقلية شيعية وعلوية و ايزدية، لكنه أشار أيضًا إلى تداخل الدين مع الهوية القبلية، حيث كانت الولاءات السياسية أحيانًا تتجاوز الانتماء الديني.
سابعا:الايزدييون بين العزلة والغموض
1. الدين والمعتقد:
تناول أشر الايزديين في إطار فضولي، حيث وصفهم بأنهم “أكثر الطوائف غموضًا في الشرق”، معتمدًا على ما كان متداولًا من روايات شعبية أوربية،لكنه أبدى نوعًا من التفهّم، قائلًا إن هذه الاتهامات قد تكون “نتاج جهل الآخرين بعقيدتهم”.
2. العزلة الجغرافية:
سجل أشر ملاحظاته حول موقعهم الجغرافي في جبل سنجار، معتبرًا أن الجغرافيا لعبت دورًا في تحصينهم دينيًا، لكن أيضًا عزلتهم سياسيًا واجتماعيًا.
3. العادات والطقوس:
أبرز بعض ممارساتهم الدينية مثل تقديس الطاووس كرمز، وامتناعهم عن أكل بعض الأطعمة أو النطق بكلمات معينة، وذكر طقوسًا تتعلق بالماء والنار والطقس.
4. الاضطهاد وسوء الفهم:
يذكر أشر أن الايزديين تعرضوا لمذابح على يد الحكومات أو الجماعات الدينية الأخرى، بسبب فهم مغلوط لطبيعة دينهم. كما أشار إلى محاولات التبشير التي فشلت في اختراق مجتمعهم.
ثامنا: تقويم تحليلي لرؤية أشر
إيجابيات:
• دقة وصف البيئة الاجتماعية والطبيعية.
• نقل مباشر لمشاهداته اليومية دون تدخل مفرط في التأويل.
• تسليط الضوء على التنوع الديني والعرقي في المنطقة.
سلبيات:
• تأثر بالرؤية الاستشراقية في تفسير بعض المعتقدات (خاصة الايزدية).
• غياب التحليل العميق لواقع القمع السياسي، والتركيز على الطقوس والعجائبية
الخاتمة:
يكشف كتاب أشر عن مفارقة مركزية: إعجاب بالروح الكوردية واستقلاليتها، مقابل فضول يشوبه الشك تجاه العقيدة الايزدية. ورغم أن تحليله لم يخلُ من أحكام مسبقة، إلا أنه يقدم سجلًا مهمًا عن واقع اجتماعي وثقافي غني في القرن التاسع عشر، يمكن للباحثين اليوم أن يعيدوا قراءته بوصفه مادة إثنوغرافية مهمة.
يُعدّ كتاب جون أشر مصدرًا إثنوغرافيًا وتاريخيًا نادرًا لفهم طبيعة المجتمع الكوردي في القرن التاسع عشر من منظور رحّالة غربي. فرغم احتوائه على مشاهدات غنية وميدانية دقيقة عن الكورد من حيث طبائعهم، حياتهم الجبلية، وتركيبتهم القبلية، إلا أن الصورة التي رسمها أشر لا تخلو من التعميمات النمطية والتأثر بالذهنية الاستشراقية السائدة في عصره.
أما فيما يتعلق بالإيزيديين، فقد قدم أشر وصفًا يوثق طقوسهم ومعتقداتهم بعين فضولية وحيادية نسبية مقارنة بغيره من الرحالة، لكنه لم ينجُ من استخدام توصيفات مشحونة مثل “الغموض” و”الطائفة المنعزلة”، مما يعكس التحديات المعرفية التي واجهها الغربيون في فهم الأديان الاخرى.
ورغم محدودية التحليل السياسي والاجتماعي العميق، يظل الكتاب وثيقة مهمة تسلط الضوء على واقع الأقليات والهويات في منطقة معقدة كالشرق الأوسط، وتُعدّ أساسًا مفيدًا للباحثين في مجالات الأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي والهوية.