سرى خالص عبدالرزاق
إن ثقافة التواصل مشروع جديد يسعى إلى قطيعة مع الأنظمة الفكرية والاجتماعية والحضارية الضارة والمعيقة للتطور والازدهار، لكنه هو في الحقيقة مشروع قديم، قد تختلف ملامحه من عصر إلى آخر، وقد ظل في تطور مستمر، ويشهد مجرى التاريخ البشري على أن ثقافة التواصل تمثل أرقى الثقافات التي أنتجها الإنسان عبر تاريخه، وما من حضارة تنشأ إلا أخذت بهذه الثقافة وتواصلت مع الحضارات السابقة، لذلك تكون ثقافة التواصل واحدة من الدعائم الأساسية للنجاح والابتكار والرقي، لأنها تعكس رؤى وتصورات خصبة في جميع الميادين، ولهذا تدفع بالحضارات قدما إلى الأمام.
أن ثقافة التواصل تمثل همزة وصل حقيقية بين الشعوب والأمم، وهي تتجاوز جميع ألوان الصدام مع الآخر، بل هي طريق إلى فهم الآخر والاستفادة منه، ومن هنا فهي تساعد على اتساع الأفق الذاتي، حيث تتمكن الذات من تخطي عقبات كثيرة أمامها.
وفي مقابل ذلك، هناك تمثيلات أيضا من التاريخ وهي تدل على الانكماش والاضمحلال الحضاري بسبب غلبة ثقافة التعصب والتحجر على ثقافة التواصل، لأن العصور الذهبية في كل حضارة شهدت التواصل الفكري والاجتماعي بين جميع الأعراق والأديان والمذاهب، حيث كل يحترم الآخر فيما يذهب أو يرى أو يعتقد، لذلك يعمل كل طرف على المساهمة في البناء الاجتماعي والحضاري عن وعي وبصيرة.
إن ثقافة التواصل أمر ضروري للإنسان، ولا يمكن الاستغناء عنها، لأنها تعتبر من المكونات الجوهرية للإنسانية، كما أن هذه الجوهرية قاسم مشترك بين الشعوب والأمم، وأما الإنسانية فهي قيم تكتسب من أعماق المفاهيم التاريخية، على أساس أن التواصل بين الناس أفرادًا وجماعات عبر التاريخ أمر قائم ومتواصل، لكن النتيجة المرجوة ربما لم تتحقق، إلا أن سمو هذا التواصل يجعله مطلبًا خالصًا من أجل سيادة المحبة بين الناس.
فعلم التاريخ يفيدنا بأحوال الإنسان كيف كان ثم أصبح، وإن كان فيه الغيث والسّمين والخرافة والتعقل والصدق والكذب، إلا أنه يعلمنا من نحن، وما هي مواطن النجاح والإخفاق، وطرق التوازن في الثقافة والحضارة، هذا إذا أحسنا قراءته، ونظرنا إليه بعين العقل لا الحاسة.
لذلك يكون كل تواصل بين الشعوب والأمم استجابة للروح الإنسانية، ومدى التعلق بها، حيث تظهر ملامحه في أزمنة قيام النهضات أو إقلاع الحضارات، أي في لحظات اللقاح، أو الصدمة التواصلية، التّي بدونها لا يستطيع الجديد أن ينطلق بلا قديم، ومَثَل سابق يستأنس به، ويسترشد به الإنسان الجديد في ظلمة المغامرة، ونشوة الانتصار الحربي.
ليس كل انتصار حربي انتصارا حضاريا، إنما الحرب وسيلة من الوسائل الكثيرة التي يلجأ إليها الإنسان بحسب غلبة قوى ونوازع النفس، كما تنشأ أيضا من البنية الاجتماعية، التّي قد تدفع إلى ممارسة الحرب.
ومما لا اختلاف فيه بين فلاسفة وعلماء جميع الأمم قديمها وحديثها أن الإنسان كفرد لا يقدر على تلبية مطالبه بنفسه، الأمر الذي دفعه إلى تعاون مع أبناء جنسه، من أجل مطلبين أساسيين، وهما: المعاش والأمن. لأن بقاءه يتعلق بهما حسب ابن خلدون، فكان عليه أن يتعاون مع غيره لتحصيلهما، لذلك جعل ابن خلدون الاجتماع الإنساني ضروريا.
لكن الروابط بين الفرد والآخر لم تكن سليمة، لذلك ما يزال الإنسان يبحث عن العلاقات الإنسانية المثلى التي تضمن للجميع مطالبه، دون الإخلال بمقوماته الطبيعية كإنسان حرّ، وقد جرّب وسائل كثيرة لتحقيق عقد التعاون السليم، في ظل الحياة الاجتماعية التي كثيرا ما كانت سببًا في ظلم الإنسان للإنسان. بمعنى الطرق المستعملة عبر التاريخ لم تأت أكلها، حيث ينظر الإنسان إليها بعين الشك، طالما تهدده لا في المطالب الجزئية، لكن في بعض الأحيان في وجوده، هذا الذي يدفعه إلى العداوة، والعداوة إلى الحرب والحرب إلى الهلاك، على الرغم من إدراكه لهذا الخطر، مع ذلك يغامر من أجل إعادة تأسيس عقد التعاون، لكي يكون سليما أو على الأقل يكون أفضل من السابق.