أ. د خليل مصطفى
شكّل تأسيس المملكة العراقية سنة 1921 محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، إذ جاء ضمن الترتيبات التي وضعتها بريطانيا عقب انتصارها في الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. هذا التأسيس لم يكن قرارًا محليًا نابعا من إرادة العراقيين بقدر ما كان ثمرة لمصالح استعمارية مرتبطة بالنفط والطرق الاستراتيجية. في هذا السياق، برز الموقف الكوردي باعتباره موقفًا رافضًا لفرض النظام السياسي الجديد، ومتمسكًا بحق تقرير المصير الذي أقرته معاهدة سيفر (1920)، وهو ما انعكس في مواقف الألوية الكوردية من الاستفتاء على تنصيب فيصل بن الحسين ملكًا على العراق.
تضمنت معاهدة سيفر الموقعة في اب 1920 لأول مرة في التاريخ الدولي نصًا صريحًا يمنح الكورد حق إنشاء كيان مستقل في المناطق ذات الغالبية الكوردية ضمن الدولة العثمانية المنهارة. هذا النص، وإن ظلّ حبرًا على ورق بسبب التوازنات الجديدة وظهور معاهدة لوزان لاحقًا (1923)، شكّل أساسًا شرعيًا ومرجعية للكورد في مطالباتهم بالاستقلال، وأعطى مبررًا قانونيًا لرفض إدماجهم القسري في الدولة العراقية الوليدة.
في هذا السياق، برزت شخصية الشيخ محمود الحفيد الذي قاد منذ عام 1919 محاولات فعلية لإنشاء كيان كوردي مستقل في السليمانية. ورغم تنصيب البريطانيين له واليًا على السليمانية لفترة قصيرة، إلا أنّ مشروعه اصطدم بالمصالح البريطانية، خاصة مع اكتشاف الثروات النفطية في كركوك والموصل. فبدلاً من دعم مشروعه الوطني، واجه البريطانيون طموحاته بالقوة العسكرية والسياسية، وهو ما أدى في النهاية إلى إضعاف محاولته في بناء إدارة كوردية مستقلة.
حين طرحت بريطانيا مسألة تنصيب فيصل ملكًا على العراق عام 1921، كان واضحًا أن الكورد لم يكونوا معنيين بهذا الخيار بنفس الدرجة التي كان عليها العرب في ولاية بغداد والبصرة. فقد اعتبر الكورد أن قضيتهم تتجاوز مسألة الملكية في العراق، وأن جوهر مطلبهم هو الاستقلال الذاتي ضمن كيان كوردي مستقل.
ففي لواء السليمانية: رفض الكورد المشاركة في الاستفتاء بشكل قاطع، معتبرين أن الأمر لا يعنيهم، إذ لم تكن السليمانية جزءًا من الدولة العراقية، بل كانت تسعى إلى تكوين كيان كوردي مستقل على أساس ما وعدت به معاهدة سيفر. هذا الموقف يجسد وعيًا مبكرًا من الكورد بخطورة إدماجهم القسري في دولة عربية مركزية.
اما في لواء كركوك فقد صوّت الأهالي ضد تنصيب فيصل ملكًا، وهو ما يعكس بوضوح الهوية الكوردية الغالبة للواء في ذلك الحين، ويكشف عن تمسك الكورد هناك بخيار الانتماء إلى كيان كوردي مستقل. رفض كركوك لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيرًا عن وعي قومي بأن الواء كوردستانية الأصل والجذور.
اماأقضية لواء الموصل ذات الغالبية الكوردية،فقد وافقت على تنصيب فيصل لكن بشروط واضحة، أهمها ضمان إدارة كوردية محلية، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للكورد. هذا الشرط يعكس إدراك الكورد لأهمية التوازن بين الأمر الواقع المفروض من بريطانيا، وبين الحفاظ على هويتهم وحقوقهم القومية.
ومن جانب اخر لم يكن إدماج ولاية الموصل ضمن العراق في عام 1926 قرارًا يعكس رغبة السكان المحليين بقدر ما كان نتيجة مباشرة للضغوط البريطانية في عصبة الأمم. فقد أصرت بريطانيا على ربط الموصل بالعراق، لا مراعاة للمشاعر الكوردية، بل انسجامًا مع مصالحها النفطية التي تركزت في حقول كركوك. هذا القرار أجهض عمليًا أي إمكانية حقيقية لقيام كيان كوردي مستقل في جنوب كوردستان، وكرّس واقعًا سياسيًا ظلّ مصدرًا للتوتر والصراع حتى اليوم.
إن موقف الكورد من تأسيس المملكة العراقية يكشف عن حقيقة أساسية،أن الكورد لم يكونوا جزءًا من المشروع العراقي منذ بدايته، بل كانوا أصحاب مشروع قومي خاص بهم يستند إلى وعود دولية وإرادة شعبية واضحة. رفض السليمانية المشاركة في الاستفتاء، وتصويت كركوك ضد فيصل، وشروط الأقضية الكوردية في الموصل، كلها شواهد على أن الهوية الكوردية كانت حاضرة بقوة، وأن ضم كوردستان الجنوبية إلى العراق كان قرارًا استعماريًا بامتياز فرضته المصالح البريطانية النفطية، دون اعتبار لإرادة الكورد أو لحقهم المشروع في تقرير مصيرهم.
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، وجد الكورد أنفسهم أمام سلسلة متواصلة من الظلم والإقصاء، بدءًا من نكث الوعود البريطانية بإنشاء كيان كوردي مستقل، مرورًا بسياسات التهميش التي انتهجها الملك فيصل الأول وخلفاؤه، وصولًا إلى الحكومات المتعاقبة. فقد حُرم الكورد من حقوقهم الثقافية والإدارية، وتعرضت مدنهم لسياسات التعريب والقمع العسكري. ومع تغير الأنظمة من الملكية إلى الجمهورية فالبعث ثم الحكومات اللاحقة، ظل الكورد يعانون من غياب العدالة والمساواة، حيث استمرت سياسات التمييز والاضطهاد بأشكال مختلفة.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على تأسيس العراق، ما يزال الكورد يواجهون تحديات مشابهة تعكس استمرار النهج المركزي الظالم.