سرى خالص عبدالرزاق
لا يعود الاختلاف في تعريف الرواية التاريخية إلى التباين الواضح بين البداية التاريخية والبداية الفنية فقط، وإنما يعود في جزء كبير منه إلى التطور الذي يلحق النوع الأدبي، النابع حتما من طبيعة النظرة إلى التاريخ، فالنظرة إلى التاريخ في إطار الروايات التاريخية الكلاسيكية نظرة إجلال وتقديس، بوصفه خطاباً تم الاتفاق على حقيقته، وقيمة هذه الحقيقية، بالإضافة إلى أن التوجه إليها كان مرتبطا بنشأة القوميات و المرتبطة بالقوميات وبالأيديولوجيات السياسية التي كانت قاعدة للكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر، وهذا جعل أولوية الاهتمام مرتبطة بالطبقة الحاكمة، وجعل بناء القصص مرتبطاً بتطوير الدولة القومية.
فالرواية التاريخية في إطار ذلك التصور القديم للتاريخ مرآة للحقيقة المتفق عليها من الجميع، ولديها نزوع لتشكيل القومي، وترتبط- نظراً لطبيعة النظرة إلى التاريخ بالطبقة الحاكمة، وفي سبيل ذلك تهمل الهامش البسيط، وفي ذلك تقول فرجيينا وولف الرواية التاريخية في القرن التاسع عشر تفتقد إلى الابتكار، وتركز على الأشياء التافهة وغير الأساسية، بينما كان يجب أن تركز على إشكالية التجربة الإنسانية والمعرفة.
فكتّابة الرواية التاريخية الجديدة يشتغلون في إطار توجه مغاير يرتبط بقص مباين للحقائق المتفق عليها، لكي يعكس وعيا مغايرا في التعامل مع الماضي، يرتبط بمراجعة ومساءلة التاريخ المستقرّ الذي نعرفه والرواية التاريخية ليست مرآة الحقيقة، وليست إعادة بناء لها، إنها لا تقوم بذلك. هي تقدم خطابات أخرى، من خلالها نستطيع أن نبني صوراً أخرى لهذه الحقيقة.
لم يعد لدينا إذن خطاب واحد للحقيقة، وإنما أصبح لدينا خطابات عديدة، ولهذا نجد أن كثيرين من الباحثين ينظرون إلى الرواية التاريخية الجديدة، نظرة مغايرة، لأنها لا تسجل التاريخ بوصفه حقيقة تاريخية عليا، بل تخضعه للمراجعة والمعاينة، وفق وجهة نظر ناقدة تحرف سلطانه وهيمنته، ويتطور طبقا لذلك الشكل التاريخي للرواية التاريخية، إلى أنماط عديدة، لا تطمس بالضرورة الشكل الكلاسيكي لها، وإنما تحور في تقاليده المؤسسة والجديد في هذا التصور الخاص بالرواية التاريخية من خلال التساوق مع الرصيد الإبداعي في الرواية العربية يتمثل في إعطاء قيمة واضحة للمتخيل الذي يغير في طبيعة المرجعية التاريخية من خلال المساءلة والمراجعة والإكمال لجزئيات لم يهتم بها خطاب التاريخ، فكل تعريفات الرواية التاريخية – كما تقدمها لنا المعاجم والدراسات المتخصصة حولها – تتفق على كون الرواية التاريخية عملا سرديا يرمي إلى إعادة بناء حقيقة من الماضي بطريقة تخيلية، حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة، إننا في الرواية التاريخية نجد حضورا للمادة التاريخية، لكنها مقدمة بطريقة إبداعية وتخيلية.
فالمتأمل للرواية التاريخية في العقود الأخيرة يدرك أن هناك تحولا لافتا إلى حد بعيد، يتمثل في كون هذا النوع الأدبي بدأ في التحلل، ليأخذ شكلا جديدا بالتدريج، وهناك مظاهر عديدة لهذا التحول والتحلل. أولى هذه المظاهر تتجلى في كون التاريخ في الرواية لم يعد مقصورا على طبقة الحكّام أو الطبقة العليا، وإنما أصبح مشدودا للبسيط والعادي والهامشي. واهتمام الروائي المعاصر بتلك الطبقات المهمشة جعل الجزء التاريخي أو الواقعي المسجل في كتب التاريخ ضئيلا، ويفقد فاعليته، ومن ثم كانت الحاجة ملحة لكاتب الرواية التاريخية الجديدة، إلى الاختراع. فيبدو عمله الأساسي- انطلاقا من دراسة العصر سياسيا وثقافيا وحضاريا- قائما على تنضيد الفجوات وإكمالها، من خلال خلق شخصيات غير موجودة في الحقيقة.