زهير كاظم عبود
لم تكن الجريمة التي ارتكبها أحد عمال محطة تعبئة الوقود في أربيل الأولى ولا الأخيرة، كان السلاح بندقية آلية موجودا في المحطة وفي لحظة الانفعال غادر العامل المكان وجلب البندقية ليقتل شخصين ويصيب ثالث بشكل عشوائي فيقتله أيضا، أن حل المشاكل بالسلاح خطرا كبيرا يهدد الحياة والامن ، السلاح الموجود في البيوت مهما كان نوعه يشكل قنبلة موقوتة وغالبا ما يتم استعماله في لحظات الانفعال أو بقصد ارتكاب الفعل الجرمي ٬ وحمل وحيازة جميع أنواع الأسلحة خارج اطار القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ممنوع قانونا ويعرض حامله وحائزه للمسؤولية القانونية، مالم يستحصل الاجازة وفق المعيار القانوني من السلطات المختصة.
ونادت جميع الحكومات المتعاقبة على السلطة بعد عام ٢٠٠٣ لتطبيق ملف حصر السلاح بيد الدولة، وكان هذا المبدأ من بين أهم بنود برنامجها الذي تعهدت به، وبقي هذا المبدأ دون تنفيذ حقيقي مالم يرتبط بإرادة سياسية واضحة، وخصوصا بعد ان استعادت الدولة العراقية سلطتها على الامن وحماية المواطنين، وحصر السلاح بيد القوات المسلحة ودمج مقاتلي الحشد الشعبي ضمن هذه القوات، بعد تأهيلهم وتدريبهم ليكونوا ضمن المنظومة العسكرية، وتعزيز الأجهزة الأمنية ودعمها لتكون الجهة المنفذة للقانون دون مجاملة او انتقائية.
السلاح المنفلت في العراق يشكل تهديدًا مزدوجًا: فهو ليس فقط خطرًا أمنيًا مباشرًا، بل أيضًا عاملًا يزعزع استقرار المجتمع، ويزيد من احتمالات النزاعات العشائرية والجرائم المنظمة، وان التعامل معه يحتاج مزيجًا من الإجراءات الأمنية والقانونية والمعالجات الاجتماعية والثقافية.
التنفيذ الجاد لتحجيم السلاح المنفلت يكون بتفعيل القوانين الصارمة التي تجرم حيازة أو حمل السلاح دون ترخيص، وان تتضمن هذه العقوبات السجن والغرامات المالية الكبيرة ، وان يتم مصادرة السلاح وايداعه الى الجهات المختصة للتصرف به حسب الأصول ، وان يمنح المواطن فترة معينة يمكن معها ان يعيد السلاح الى المؤسسة العسكرية مقابل تعويض مالي ، بعد تلك الفترة يصار الي منح المواطنين فترة أخرى للتفكير في العقوبات التي يتحملها المخالف للقرار ، وان ترتقي الأجهزة الأمنية لمراقبة تجار السلاح ومراقبة عمليات البيع غير المشروع ، وان ينص القانون علي معاقبة من يتاجر او يتعامل ببيع الأسلحة بالعقوبات الصارمة والظروف القضائية المشددة ، وان تجري حملات تفتيش بإشراف القضاء .
ليس فقط السلطة معنية بالوقوف ضد ظاهرة السلاح المنفلت، انما منظمات المجتمع المدني والمؤسسة التربوية والتعليمية وخطباء المنابر الدينية، وان يتم توضيح مخاطر وجود السلاح في البيوت، وان يتم ذلك بالتعاون مع قيادات العشائر الحريصة على استقرار العراق، وان يتم الالتفات الى ظاهرة منح المواطنين السلاح والتي ينبغي ان يتم حصرها وتقييدها، وان يتم الحد من ظاهرة التجول في الأسواق والشوارع والساحات مع بروز ظاهرة المسلحين والتي تعكس صورة تدل عدم توفر الأمان ، هذه الظاهرة تنقل صورة إعلامية خاطئة وتضر بالإصلاح المطلوب بالاقتصاد الوطني والاستثمار الأجنبي .
السلاح المنفلت يضرب قلب بيئة الاستثمار، لأنه يجعل أي مشروع عرضة للابتزاز أو التهديد، ويزرع انطباعًا بعدم الاستقرار، وهذا يؤثر على كل من المستثمر المحلي والأجنبي، المستثمر يحتاج إلى بيئة تحميه بالقانون، لكن مع انتشار السلاح المنفلت، يمكن لأي جهة مسلحة خارج الدولة أن تفرض شروطها أو رسومها غير القانونية، وان الكثير من المستثمرين يخشون أن تُحل الخلافات بالنزاعات المسلحة بدل القضاء، وهذا يفقدهم الثقة في النظام القضائي.
رجال الأعمال المحليون يفضلون نقل أموالهم إلى بلدان أكثر استقرارًا بدل المخاطرة في بيئة مسلحة، وسيكون السلاح المنفلت سببا رئيسيا لعرقلة الاستثمارات الوطنية، بالإضافة الي ان المستثمر الأجنبي يختار دولًا منافسة وقريبة حيث الأمن مستتب ليستثمر فيها.
قضية السلاح المنفلت لم تعد قضية تهم الحكومات بقدر ما تهم المجتمع العراقي بكل قومياته واديانه، وهي قضية وطنية أساسية لابد من التكاتف والجدية في الموقف للحد من تفاقم مخاطرها ونتائجها، وان نحد من ظاهرة ارتكاب الجرائم التي يروح ضحيتها مواطنين وعوائل نتيجة التطرف في الخلافات، والانفعالات في اللحظة التي يلغي بها الرصاص صوت العقل والحكمة.