حسين موسى
عانى الشعب الكوردي قرونًا من القمع والحرمان، حتى صار كثير من أبنائه يكتفون بالسعي وراء لقمة العيش، متجنبين السياسة التي كانت تعني لهم الخوف والسجون. لكن الخطر اليوم لم يعد في الخوف وحده، بل في اختزال السياسة في مطالب آنية مثل الرواتب والخدمات، مع إغفال البعد الاستراتيجي والمشروع الوطني.
إقليم كوردستان الذي ناضل قرنًا كاملًا وانتزع حكمه الذاتي عام 1991، وأُقرّت فدراليته في دستور العراق 2003، يقف اليوم أمام تحدٍ جديد. فبينما دفع دماء غالية في سبيل الأرض والسيادة، ما زالت فئة قليلة تنظر إلى الراتب باعتباره المطلب الأول، حتى أن بعض النخب السياسية تبنّت هذا الخطاب، وكأن القضية الوطنية يمكن أن تختزل في ورقة مالية.
التجارب العالمية تعلّمنا أن الخبز والسيادة وجهان لعملة واحدة. فنلندا مثلًا، بعد الحرب العالمية الثانية، خسرت جزءًا من أرضها تحت ضغط الاتحاد السوفيتي، لكنها ربطت أمنها القومي باقتصادها الوطني. طورت التعليم والصناعة والزراعة، معتبرة أن الخبز خط الدفاع الأول عن السيادة. ونجحت رغم الجوار المعادي في بناء دولة قوية ومستقرة.
وكذلك أيرلندا بعد استقلالها عام 1922، التي خرجت فقيرة وتعتمد على الاستيراد. قادتها ربطوا بين الاستقلال السياسي وبناء اقتصاد وطني، فشجعوا الزراعة والصناعة والاكتفاء الذاتي، ورأوا أن شراء المنتج الأيرلندي عمل وطني يحمي السيادة. خلال عقود قليلة، تحولت من بلد ضعيف إلى دولة مستقلة اقتصاديًا، أقل عرضة للضغوط البريطانية، وأكثر ثباتًا في أوروبا.
أما كوردستان، فما زال اقتصادها مرتهنًا للمركز في بغداد، الذي يستخدم الرواتب كورقة ضغط سياسي. وهنا يكمن الخطر: حين يصبح خبزك بيد خصمك، تصبح سيادتك مهددة من الداخل. السبيل للخروج من هذه الدائرة هو وعي شعبي يدرك أن بناء اقتصاد إقليمي متنوع ومتين هو الطريق لالتقاء الخبز بالسيادة.
وفي هذا السياق، يؤكد الزعيم مسعود بارزاني أن الرواتب حق مشروع للشعب ولا يجوز استغلاله ، مشيدًا بصمود المجتمع الكوردي أمام الحصار الاقتصادي. شعب كوردستان الذي واجه التهجير والأنفال يثبت مرة أخرى أن إرادته أقوى من الضغوط، وأن صموده هو الدرع الذي يحمي السيادة والإنجازات.
إن بناء الدولة الكوردية لا يقوم بالإنجازات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي يجعل من الدفاع عن الخبز والسيادة معركة واحدة. حينها فقط يكتمل حلم الأجداد، وتنهض كوردستان بثقة وقوة، كما فعلت فنلندا وأيرلندا، لتقول للعالم: إن خبزنا وسيادتنا لا ينفصلان