غياب اللغة والسياسة: أزمة التمثيل الكوردي في البرلمان العراقي

هيام حاجي – باحثة سياسية في شؤون العراق وكوردستان

يُفترض بالبرلمان العراقي أن يكون منبرًا لمناقشة القوانين المصيرية وصون مصالح المواطنين بمختلف مكوناتهم، غير أنّ التمثيل الكوردي داخله يواجه إشكالية جوهرية تتمثل في ضعف الكفاءة لدى بعض النواب. وأحد أبرز مواطن الضعف التي باتت واضحة للرأي العام، بل وحتى لخصوم الكورد السياسيين، هو محدودية إتقان العديد من النواب الكورد للغة العربية، إضافة إلى افتقارهم إلى معرفة راسخة بالتاريخ والسياسة العراقية، الأمر الذي يقلل من حضورهم داخل المؤسسة التشريعية ويضعف قدرتهم على الدفاع عن القضايا المصيرية لشعبهم.

فاللغة العربية، بما تمثله من أداة للتشريع والتفاوض وصياغة الخطاب السياسي، ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة قوة سياسية بحد ذاتها. النائب الذي لا يستطيع التمييز بين تراكيب بسيطة مثل “ألا” و”إلا”، أو يقع في التباس بين “إن” و”أن”، يجد نفسه في موقف محرج أمام خصومه، وهو ما يسهل استهدافه أو التقليل من شأنه داخل قاعة البرلمان. هذه الفجوة اللغوية لا تقتصر على الجانب الشكلي، بل تمتد إلى صميم العملية التشريعية، إذ إن أي خطأ في التعبير قد يقود إلى سوء فهم أو خلل في تفسير النصوص القانونية. ولهذا، فإن غياب الكفاءة اللغوية لا يعد عيبًا شخصيًا بقدر ما هو نقطة ضعف إستراتيجية تستغلها الأطراف الأخرى لإضعاف الموقف الكوردي في بغداد.

ولا يقلّ غياب الوعي التاريخي والسياسي خطورة عن ضعف اللغة. فالنائب الذي لا يمتلك معرفة دقيقة بتاريخ العراق المعقّد، ولا يحيط بطبيعة النظام الفيدرالي أو توازنات القوى السياسية، يصبح عاجزًا عن خوض المفاوضات بفاعلية. وقد كشفت دورات برلمانية سابقة أن بعض النواب الكورد تعاملوا مع ملفات حساسة بسطحية، أو تركوا الساحة خالية لنواب أكثر تمرسًا، ما سمح بتمرير قوانين وتشريعات لا تخدم مصالح الإقليم ولا تحافظ على خصوصيته الدستورية.

ويضاف إلى ذلك الانقسام الداخلي بين القوى الكوردية، الذي ساهم في تعميق المشكلة بدلًا من معالجتها. فبدل أن يشكل النواب الكورد جبهة موحدة لحماية حقوق ناخبيهم، دخلوا البرلمان ببرامج وخطابات متباينة، بل أحيانًا متعارضة. وتزداد خطورة المشهد مع تبنّي بعض المرشحين العراقيين شعارات مثل “من الفاو إلى خانقين… عراق واحد”. فهذا الخطاب، وإن بدا في ظاهره دعوة للوحدة الوطنية، إلا أنّه يحمل نزعة مركزية صارمة قد تُفهم كاستهداف لخصوصية إقليم كوردستان التي نصّ عليها الدستور. وهنا تكمن المعضلة: النواب الكورد الذين يفتقرون إلى أدوات اللغة العربية والخبرة السياسية والتاريخية لا يملكون القدرة على الرد أو مواجهة مثل هذه الخطابات، مما يترك الموقف الكوردي ضعيفًا في لحظات حاسمة داخل البرلمان.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في معايير اختيار النواب الكورد. يجب ألا تبقى الترشيحات قائمة على الولاءات الحزبية أو العائلية أو القبلية، بل ينبغي اعتماد آليات واضحة تشمل اختبارات لغوية وتاريخية وسياسية، إضافة إلى تقييم قدرة المرشحين على التحليل والتعبير واتخاذ القرار السريع. فمن لا يتجاوز هذه الاختبارات لا ينبغي أن يُرشح أصلًا. إن الدفاع عن المصالح الكوردية داخل البرلمان يتطلب نوابًا مؤهلين يمتلكون لغة قوية، ورؤية سياسية عميقة، وإدراكًا للتاريخ الذي شكّل العلاقة بين بغداد وأربيل.

فبدون هذه الأدوات سيبقى التمثيل الكوردي عدديًا أكثر منه نوعيًا، وسيظل البرلمان ساحة تُمرَّر فيها القوانين المصيرية في غياب أصوات كان يُفترض أن تكون مؤثرة وفاعلة.

قد يعجبك ايضا