عباس عبدالرزاق
لم يكن المشهد الذي بثّته الشاشات من داخل البرلمان العراقي من عراك لفظي وجسدي بين نائب شيعي ورئيس البرلمان السني، ثم تدخل نائب سني آخر وضربه للنائب الشيعي – مجرد فورة غضب عابرة أو اشتباك طائفي تقليدي. ما جرى أكبر من مجرد انقسام مذهبي؛ إنه انعكاس لصراع إقليمي و دولي معقّد تجري فصوله تحت قبة البرلمان، على خلفية مشروع قانون “الحشد الشعبي”، الذي بات نقطة اشتعال خطرة بين القوى السياسية العراقية ومراكز النفوذ الخارجية.
فيتو أمريكي واضح
الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب مصادر مطلعة، أوصلت رسائل صريحة إلى الحكومة العراقية ورئاسة البرلمان مفادها: قانون الحشد الشعبي بنسخته الحالية مرفوض، كونه يرسّخ نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، ويهدد هيكل الدولة العراقية الهش، ويُضفي طابعًا قانونيًا على تشكيلات تعتبرها واشنطن “إرهابية”.
هذا الفيتو الأمريكي ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لمسار من التوتر بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة القريبة من إيران، خاصة في ظل تصاعد الهجمات على المصالح الأمريكية في العراق وسوريا، وتزايد الحديث عن تحويل الحشد إلى “مؤسسة رديفة” للجيش العراقي بسلطة مستقلة.
الانقسام النيابي: بين الطاعة والتحايل
الأحزاب الكردية والسنية، التي لا ترغب في الصدام مع الإرادة الأمريكية، تقف بوضوح ضد تمرير القانون. لكنها تدرك أن قوى “الإطار التنسيقي” والأحزاب الشيعية المقربة من طهران تحاول استغلال أي فجوة أو فرصة لتمرير القانون بوضع الجميع أمام الأمر الواقع.
في الجلسة الأخيرة للبرلمان، ورغم اكتمال النصاب وحضور النواب السنة والأكراد، تم بشكل مفاجئ إدراج القانون في جدول الأعمال بطريقة أثارت الشكوك. كان الهدف الواضح هو فرض التصويت في لحظة غفلة سياسية، معوّلين على إحراج النواب المترددين ووضعهم أمام خيارين: إما الموافقة أو الاتهام بالتبعية للأجندات الأجنبية.
قانون الحشد الشعبي: نقاط الخلاف الجوهرية
الخلاف حول قانون الحشد الشعبي لا يدور فقط حول الاعتراف بشرعية هذه القوة، بل يتعلّق بتفاصيل قانونية وسياسية خطيرة يرى فيها البعض تهديدًا لبنية الدولة ومؤسساتها، في حين يعتبرها آخرون “ضرورة وطنية” في مواجهة التهديدات الأمنية. ومن أبرز النقاط الخلافية في مشروع القانون:
1 – الاستقلال المالي والإداري:
يمنح القانون الحشد الشعبي استقلالية في الميزانية والإدارة، بعيدًا عن وزارة الدفاع، مما يعني إنشاء “مؤسسة عسكرية موازية”، وهو ما ترفضه الكتل السنية والكردية بشدة، وتعتبره واشنطن انتهاكًا لوحدة المؤسسة الأمنية العراقية.
2 – التبعية المباشرة للقائد العام للقوات المسلحة:
رغم أن الحشد تابع اسميًا لرئيس الوزراء، إلا أن قوى معارضة ترى أن التبعية غير مفعّلة فعليًا، وأن القيادة الميدانية هي بيد فصائل لها ارتباطات خارجية، خصوصًا بإيران، مما يثير مخاوف من ازدواجية القرار العسكري.
3 -الإبقاء على هيكلة الفصائل الحالية:
مشروع القانون لا يُلزم الحشد بدمج عناصره ضمن تشكيلات الجيش أو الشرطة، بل يُبقي على هياكله الحالية، بما فيها تلك المصنفة دوليًا كجماعات شبه عسكرية، وهو ما يُعد خرقًا لالتزامات العراق أمام المجتمع الدولي.
4 -الصلاحيات الأمنية في المناطق المحررة:
القانون يمنح الحشد صلاحيات أمنية واسعة في مناطق ذات أغلبية سنية، مثل الموصل والأنبار وصلاح الدين، مما يُثير حفيظة ممثلي هذه المناطق، الذين يرون في ذلك تمددًا غير مبرر لقوة غير خاضعة لرقابة برلمانية فعلية.
5 -المساءلة القانونية وملف الانتهاكات:
لا يقدّم القانون آليات واضحة لمساءلة منتسبي الحشد في حال ارتكاب تجاوزات، وهو ما يُفسّر على أنه حماية قانونية للجماعات المسلحة التي تتهمها منظمات حقوقية دولية بانتهاك حقوق الإنسان.
الطائفية كقناع للصراع السياسي
هنا انفجر الخلاف، وتصاعد التوتر إلى مستوى العراك بالأيدي. وليس غريبًا أن يُستخدم الخطاب الطائفي كغطاء لهذا الانفجار، فالصراع الحقيقي ليس مذهبيًا، بل سياسي–استراتيجي، بين محورين: محور يريد تثبيت الهيمنة الإيرانية عبر قوننة أذرعها، ومحور لا يريد تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.
في هذا السياق، لا يعود المشهد المخزي في البرلمان مجرّد انحدار في الخطاب السياسي أو ضعف في الثقافة الديمقراطية، بل يصبح مؤشراً على انسداد الأفق السياسي، وعجز النخب عن إدارة الملفات المصيرية بعيدًا عن الوصايات الدولية والإقليمية.
ما الذي ينتظر العراق؟
الواضح أن البرلمان العراقي مقبل على مواجهات أعنف، ليس فقط حول قانون الحشد الشعبي، بل حول طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة محايدة، تحاول السير بين المحاور، أم دولة خاضعة للمحاور، تُدار أجنداتها من خارج الحدود؟ وما هو سقف التحمل الأمريكي قبل أن تقرر واشنطن تغيير قواعد اللعبة داخل العراق؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي ما سيحدد ما إذا كان البرلمان العراقي سيبقى ساحة للتشريع، أم يتحول إلى ساحة صراع إقليمي مفضوح.