شيرزاد نايف
في خضم صخب الحياة الحديثة، حيث تشتد موجات الصور وتتعالى أمواج الفيديوهات، يُقال اليوم إن الإعلام المقروء بات شيئًا من الماضي. كأنما هو صفحة أغلقت في سجل الزمن، أو متحف لفظي لا يزوره أحد. تتبعث في أحاديث الناس كلمات مثل “عفى عليه الزمن” أو “لم يعد أحد يقرأ”، كأنهم ينعون القراءة وكأنهم دفنوا الكتاب، دون أن يدركوا أنهم في هذا النعي، يدفنون أساس المعرفة ذاته.
نعم، التكنولوجيا اكتسحت. نعم، السوشيال ميديا تسكن كل جيب وتطل من كل شاشة. الناس لم يعودوا يقرأون، بل يتصفحون الصور. حتى هذه الأخيرة بدأت تخبو تحت زحف الفيديوهات القصيرة السريعة، التي لا تترك مجالا للتأمل أو للعمق، بل تغري العين وتغفل العقل. أما الإعلام المسموع، فصار أثرًا بعد عين إلا في بعض الزوايا المحدودة. وكأننا نتجه شيئًا فشيئًا نحو حضارة بصرية آنية سريعة النسيان، سطحية في التلقى. لكن رغم كل هذا، يظل الإعلام المقروء هو الجذر لكل شيء. لأنه ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو البنية التحتية للعقل البشري. الكتابة هي التصميم والخطة، والرؤية هي الفكرة حين تكون نقية، لم تُشوّهها المؤثرات البصرية ولا سطوة الإخراج.
من دون الكلمة المكتوبة، لا نص لتصويره، ولا سيناريو الفيلم، ولا نص لفيديو، ولا حتى منشور يقرأ على وسائل التواصل. كل ما نراه اليوم من منتجات مرئية أو سمعية، بدأ كفكرة مكتوبة كجملة، كمسودة على هامش.
العالم، رغم ما يبدو من تطور، ما زال يتوقف على المقروء: فالقوانين تكتب، والعقود تكتب والمناهج تكتب، وحتى الخطابات السياسية تكتب قبل أن تلقى. في البلدان المتقدمة، القراءة ليست هواية، بل نمط حياة. أما نحن، فبتنا في حاجة إلى ثورة لا تقل أهمية عن أي ثورة صناعية أو رقمية.
نحن بحاجة إلى ثورة الإعلام المقروء – ثورة تعيد للكلمة المكتوبة اعتبارها، وللقارئ مكانته، وللكتاب دوره في بناء وعي الفرد والمجتمع. لا كبديل عن الصورة والصوت، بل كأساس لهما. ثورة تجعل من القراءة عادة يومية، لا فرضًا أكاديميا ولا رفاهية نادرة.
في زمن الضجيج، الحرف هو خلاصنا. وفي زمن السرعة، الورقة هي ما يمنحنا البطء الجميل الذي نحتاجه للفهم، للتفكير، وللإنسانية. لن نخجل من المطالبة بالعودة إلى الكلمة، بل سنجعلها صوتًا عاليًا في عالم فقد صوته الحقيقي. إننا لا نكتب لنقاوم التكنولوجيا، بل لتذكر أن التكنولوجيا الحقيقية بدأت من قلم.