تركيا في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي التهديد القادم من الشمال

عباس عبدالرزاق

اجمعوا بين الطموح العثماني، والدين، والاقتصاد، والانفتاح على الغرب… وإذا لم تتحرك إسرائيل الآن، فستجد نفسها محاصرة من أنقرة وليس من طهران .
بهذه العبارة الحادة، افتتح يونتان أديري، رائد الأعمال والمستشار السابق للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، مقاله في صحيفة يديعوت أحرونوت، محذرًا من صعود تركيا بوصفه مشروعًا سياسيًا حضاريًا متكاملًا يفرض حضوره في الشرق الأوسط.

تحذير غير مسبوق
يشير أديري إلى أن إسرائيل، وهي منشغلة بإعادة رسم خرائط المواجهة مع إيران وحزب الله، ربما تغفل عن خطر أكثر هدوءًا، لكنه أكثر عمقًا. فالتهديد التركي، كما يصفه، يتغلغل بصمت، ويعيد تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة عبر أدوات متعددة:
1. الاقتصاد المزدهر والمتنوع.
2. القوة الناعمة عبر الثقافة والمساعدات الإنسانية.
3. العمل الاستخباراتي والعسكري النشط.

هذا التوجه جعل تركيا تتجاوز حدود الخليج وشمال أفريقيا، لتصل إلى البلقان، والقوقاز، وأفريقيا، حتى جاءت اللحظة الحاسمة التي رفعت منسوب القلق الإسرائيلي.

سوريا… من التماس البعيد إلى المواجهة المباشرة
يصف محللون إسرائيليون الساحة السورية بأنها خط تماس بين أنقرة وتل أبيب، وقد تتحول قريبًا إلى ساحة اصطدام مباشر. فتصريحات وزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات السابق هاكان فيدان، برفض تقسيم سوريا ومنع تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات دولية، اعتُبرت في تل أبيب رسالة تحذير مبطنة، خاصة أن مشروع تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وإثنية كان يُنظر إليه إسرائيليًا كضمانة لأمن حدودها الشمالية وترسيخ سيطرتها على الجولان.

إزالة العوائق أمام التمدد التركي
يرى أديري أن سببين رئيسيين أعاقا التمدد التركي جنوبًا قد تلاشى أثرهما مؤخرًا:
النفوذ الإيراني القوي في سوريا ولبنان، والذي تراجع بشكل ملحوظ.
التهديد الكردي المسلح الذي أرهق أنقرة لسنوات، وانخفض بعد إعلان حزب العمال الكردستاني تسليم سلاحه والانخراط في العملية السياسية.
إزالة هذه العوائق فتحت الطريق أمام تركيا لزيادة نفوذها في سوريا والعراق ولبنان وغزة، دون ضجيج إعلامي، مدعومة بصناعات عسكرية محلية، وقواعد منتشرة، وشبكة علاقات تمتد من ليبيا إلى شرق المتوسط، فضلًا عن موقعها الفريد بين روسيا وحلف الناتو.

خطورة تركيا مقارنة بإيران
على عكس إيران، تمتلك تركيا شرعية دولية، ما يجعل أي ضربة استباقية ضدها أمرًا بالغ التعقيد. وهذا يمنحها، من وجهة النظر الإسرائيلية، قدرة على المناورة وتوسيع نفوذها دون أن تواجه عزلة أو عقوبات شبيهة بتلك المفروضة على طهران.

الاستراتيجية الإسرائيلية المقترحة
يقترح أديري جملة من الإجراءات لمواجهة هذا التمدد:
تعزيز التحالفات مع دول شرق المتوسط، خصوصًا اليونان، لموازنة النفوذ التركي.
تعطيل التعاون الدفاعي بين تركيا والولايات المتحدة، مقابل توسيع التعاون الدفاعي بين إسرائيل وواشنطن.
منع تركيا من لعب أي دور رسمي في الملف الفلسطيني، ولا سيما كوسيط.

هل المواجهة حتمية؟
تبدو تركيا، في العقل الأمني الإسرائيلي، خصمًا صاعدًا يملك عناصر القوة الناعمة والصلبة معًا، ويزاحم إيران على موقع “التهديد الأول”. ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيظل هذا الصراع في إطار لعبة التوازنات والتحالفات، أم أننا سنشهد في المستقبل مواجهة تركية–إسرائيلية مباشرة على مسرح الشرق الأوسط؟

قد يعجبك ايضا