الحقيقة بين قلمين

احمد زبير باني

في زمنٍ صارت فيه الكلمة سلعة، والحقيقة بضاعة نادرة، ظهر بيننا جيل من الصحفيين والتجار لا يجمعهم همّ الوطن ولا هاجس الضمير، بل يجمعهم همّ الحسابات البنكية وحمى الربح السريع. هؤلاء الذين باعوا حروفهم في مزادٍ علني، لا يهمهم من يشتري، ولا إلى أين تسير الكلمة، ما دام الثمن يُدفع نقدًا أو وعودًا.

لقد مات فيهم الشعور القومي والوطني كما تموت شجرة عطشى في صحراء قاحلة. لم يعودوا يرون الفرق بين مصلحة الوطن ومصلحة الجيب، ولا بين صوت الحقيقة وصوت الممول. يكتبون وكأنهم على مسرحٍ مقلوب؛ الأبيض عندهم أسود، والخيانة بطولة، والصدق سذاجة، والمخلص دجال.

هؤلاء هم من جعلوا الصحافة تتحول من منبرٍ للوعي إلى أداة للتضليل، ومن سلاحٍ للدفاع عن الحقيقة إلى أداة لتشويهها. يرفعون شعارات الحرية وهم أوّل من يكمّم الأفواه، يتغنون بالحياد وهم غارقون حتى آذانهم في الولاءات المأجورة.

والمفارقة المرة، أن بعضهم كان في يومٍ من الأيام يصرخ في وجه الظلم، ويكتب بحبر الإيمان بالقضية، لكنه اليوم يكتب بحبرٍ ملوث برائحة الصفقات والامتيازات، وكأن القلم الذي حمل الحق بالأمس صار يحمل الباطل اليوم بلا خجل.

إن الحقيقة لا تموت بيد الطغاة وحدهم، بل تموت أيضًا على يد من يبيعونها بقلم رخيص وحبرٍ مستعار. وبين القلمين — قلمٍ شريف يكتب بصدق، وقلمٍ مأجور يكتب بما يُملى عليه — تضيع أوطان، وتُسرق ذاكرة شعوب، ويصبح التاريخ نفسه مجرد مسودة بانتظار من يدفع أكثر ليكتبها على هواه

قد يعجبك ايضا