حين يفاجئك الوطن بابتسامة موظف حكومي

د. ابراهيم احمد سمو

نكره، كعادتنا، أن نكون مدينين. نعتذر للدولة بصوتٍ خافت إن تأخرنا، مع أنها غالبًا المدينة لنا! نمنحها العذر تلو الآخر، فالظروف أقسى منها ومنّا. وها أنا، كعادتي، هذا الصباح، قررت أن أزور دائرة حكومية، أراجع معاملة بسيطة، لكني لم أذهب خالي القلب.

لم أخف من روتين المعاملة، بل من رتابة الاستقبال. خفت أن أدخل دائرة أكلها اليأس، وتأخرت رواتب موظفيها، وضاق بهم الحال، خفت ألا أجد الموظف المسؤول، أو أواجه وجوهاً عابسة، ترمقني بنظرات الاتهام، وكأنني ما زلت جزءًا من الدولة، أو وجهًا من وجوه الانتماء السياسي الذي تآكل احترامه في عيون الناس، حتى صار عبئًا لا شرفًا.

خفت أن يُطالبني أحدهم بما لا أملك، أو يشتكي لي عن لقمة عيشه، أو يحمّلني أوزار حكومةٍ انا جزءًا منها. خفت ألّا يُردّ عليّ السلام، فقط لأنني محسوب على جهة، أو رمز للمرحلة، أو ذكرى غير مرحّب بها في زحمة الهمّ اليومي.

ورغم كل هذا، قصدت الدائرة الحكومية في الصباح الباكر، ربما لأسبق نفسي قبل أن تتضخم تلك المخاوف، وربما في داخلي كنت أهرب من مواجهة مألوفة. لكن المفاجأة كانت بحجم كل ذلك التوجس!

وصلتُ بعد انطلاق الدوام الرسمي بعشر دقائق، متأخرًا قليلًا، ومثقلًا بالكثير من الظنون. لكنني ما إن دخلت، حتى اصطدمت الحقيقة بكل مخاوفي: الباب مفتوح، والمكان مضاء بالحياة، والابتسامة تسبق الكلام.

الموظف عند الاستعلامات حيّاني بلطف، وعندما سألته عن الشخص المسؤول، نهض بنفسه ليأخذني إلى مكتبه. وهناك، كان موظف آخر في الاستقبال، أكثر حماسًا مما توقعت. لم تمر لحظات حتى جاء موظف ثالث، استلم الأوراق، وركض لإنجازها بكل هدوء وتواضع. لم تمضِ دقائق حتى أنهيت معاملتي، دون وساطة، دون انتظار، دون نظرات تعالٍ.

وكما استقبلوني بابتسامة، ودّعوني بتحية واحترام. لم أخرج وفي داخلي تلك الغصة المعتادة التي ترافقنا بعد كل زيارة رسمية، بل خرجت وفي قلبي امتنانٌ خالص.

لكن ما جعلني أكتب ليس فقط هذه المفاجأة الجميلة، بل ذلك الموقف الإنساني الذي لا يُنسى. أحد الموظفين هناك، يعرف أنني لا أقود السيارة، فاستأذن من مسؤوله، وأقسم أن يوصلني بنفسه إلى المكان الذي أريده. وحين حاولت أن أعتذر أو أرفض، أصرّ قائلاً: “خدمة الناس هي الرصيد الحقيقي لنا… هي الزاد في هذا الزمن الصعب”.

كأن كلماته كانت درسًا في الوطنية. ليست الوطنية شعارًا نعلقه على الحائط، بل هي سلوك يومي، وبسمة في وجه متعب، وعمل بإخلاص رغم كل الضغوط.

في زمن الضيق المالي، والتضييق على الشعب، حين يعاني البلد من أزمات متلاحقة، يبقى الإصرار على الأخلاق والالتزام هو الخط الأول للصمود. وهؤلاء الموظفون، الذين كنت أخشاهم صباحًا، منحوني أملًا صادقًا بأن هناك من لا يزال يعمل بضمير، من يعتبر أن العمل في الدولة ليس سلطة بل مسؤولية، ليس امتيازًا بل واجبًا.

هذا المشهد الذي عشته اليوم لا يجب أن يكون استثناءً، بل هو الأصل الذي نتمناه في كل مؤسسة. نعم، الأوضاع صعبة، والضغوط هائلة، لكنّ إنسانية التعامل هي ما يصنع الفرق. هي ما يجعل الدولة أقرب، وأرحم، وأصدق.

في النهاية، الدولة لا تُقاس فقط بقوة قانونها أو ميزانيتها، بل بقوة موظف صغير يؤدي واجبه بابتسامة. ذلك الموظف هو الوطن الحقيقي، هو من يمنحنا الطمأنينة حين تضللنا العناوين الكبرى

قد يعجبك ايضا