عففت فعفت رعيتك


مهند الصالح

المرحلة القادمة يجب أن يكون شعارها: “إذا صلح الراعي صلحت الرعية”
في خضم التغيرات والتحديات التي تمر بها المجتمعات، تتجلى الحاجة الماسة إلى قيادة رشيدة تُجسد القدوة الحسنة، وتغرس القيم، وتضع نصب عينيها مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية أو فئوية. ومن هنا تبرز أهمية المقولة الخالدة: “إذا صلح الراعي صلحت الرعية”، أو ما جاء في الأثر: “عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعوا”. هاتان العبارتان تلخصان بعمق جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين القيادة والشعب.
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أو إصلاحي أن ينجح ما لم ينطلق من رأس الهرم، فإصلاح الراعي – أي الحاكم أو المسؤول – هو الخطوة الأولى على طريق إصلاح المجتمع. فإذا تحلى القائد بالنزاهة والعدل والزهد عن شهوات المنصب والمال، انعكست هذه الصفات على من تحته، بدءًا من كبار المسؤولين إلى عامة الشعب.

وقد أثبت التاريخ أن أعظم الحضارات وأطهر العصور قامت على أكتاف قادة صلحاء، عاشوا بما يقولون، وطبقوا ما يأمرون به الناس. فكانوا القدوة والمثال، وكان لهم تأثير نفسي ومعنوي هائل جعل شعوبهم تحذو حذوهم في الورع، والانضباط، والجد.

أما حين يفسد الراعي، فإن الفساد يستشري، ويصبح أمرًا مألوفًا لا يُستنكر. فالناس يتبعون أثر قادتهم، فإن رأوا منهم المحسوبية والسرقة والظلم، ظنوا أن ذلك هو السبيل للنجاح والعيش، وتخلوا عن القيم والمبادئ. وهنا تتحول الأمة من مجتمع فاضل إلى كيان هش تملؤه الفوضى، وتغيب عنه العدالة، ويضعف المرحلة القادمة-بكل تحدياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية – تفرض علينا مراجعة جذرية للمفاهيم التي تحكم العلاقة بين القادة والشعوب. ويجب أن يكون الشعار الواضح والصريح: “إذا صلح الراعي صلحت الرعية”، وهذا لا يعني فقط إصلاح القائد في سلوكه الشخصي، بل يشمل أيضًا سياساته، واختياراته، وجرأته على محاسبة المفسدين، وتمكين الصالحين.

إن عفة الراعي عن المال العام، وعدله في إصدار الأحكام، واستماعه لصوت الناس، وحرصه على الصالح العام، كل ذلك يزرع الثقة والأمل، ويؤسس لمجتمع صحي وقادر على البناء والابتكار.
إن من أعظم ما قيل في القيادة: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. فالراعي إذا صلح، التزم الناس بالحق طوعًا أو رهبةً، وسارت الأمور نحو الإصلاح العام. أما إذا خان الأمانة، فلن تفلح خطط التنمية، ولا حملات التوعية، ولا حتى الدعوات الدينية.

لذا، إن كنا نريد أمة قوية، عادلة، مزدهرة، فلنبدأ بإصلاح الراعي، فهو المفتاح الحقيقي لكل إصلاح

قد يعجبك ايضا