جامع بارزاني الكبير.. حين تتحول أربيل من مدينةٍ عريقة إلى عاصمةٍ إسلامية عالمية

أحمد الزاويتي

في تاريخ الأمم، تُقاس المشاريع الكبرى بما تحمله من رسائل حضارية، وما تتركه من أثر في الوعي الجمعي للأجيال القادمة.
ولهذا، فإن وضع حجر الأساس لجامع بارزاني الكبير في أربيل يمكن النظر إليه باعتباره إعلاناً عن مرحلة جديدة في تاريخ أربيل وكردستان، مرحلة تسعى فيها العاصمة الكردستانية إلى تثبيت مكانتها ليس فقط كعاصمة سياسية واقتصادية للإقليم، بل كإحدى الحواضر الإسلامية والثقافية الكبرى في المنطقة.
لقد عرفت البشرية عبر تاريخها معالم ارتبطت بهوية شعوبها وأصبحت رمزاً لحضورها الحضاري. فالأزهر منح القاهرة مكانة علمية وروحية تجاوزت حدود مصر، والجامع الأموي جعل دمشق إحدى أبرز عواصم الحضارة الإسلامية، فيما تحولت إسطنبول إلى مركز عالمي بفضل جوامعها الكبرى التي جسدت قوة الدولة العثمانية وحضورها الحضاري. وفي المغرب العربي ظل جامع القرويين منارة علمية لقرون طويلة، بينما شكّلت المساجد الكبرى في سمرقند وبخارى شاهداً على العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى.
واليوم يبدو أن أربيل، أقدم مدينة مأهولة في التاريخ بحسب العديد من الدراسات الأثرية، تسعى إلى إضافة معلم جديد إلى هذه السلسلة التاريخية من الرموز الحضارية.

غير أن ما يميز جامع بارزاني الكبير عن كثير من المشاريع المماثلة في العالم الإسلامي أنه لا يكتفي بتقديم نموذج معماري ضخم، بل يسعى إلى تقديم قصة شعب بأكملها.
فالمشروع مستوحى من البيئة الكردستانية، ومن الخيمة الكردية التقليدية، ومن طبيعة الجبال والوديان التي شكلت هوية الإنسان الكردي عبر آلاف السنين. ولذلك فإن الزائر للمكان لن يرى مجرد مسجد، بل سيجد نفسه أمام متحف حي للذاكرة الكردية، تتجسد فيه العمارة والتراث والفن والتاريخ في لوحة واحدة.
وهنا تكمن القيمة الحضارية الحقيقية للمشروع، فالعديد من شعوب العالم قدّمت نفسها للآخرين عبر الأدب أو السياسة أو الاقتصاد، أما الشعوب العريقة فتقدم نفسها عبر الرموز العمرانية الكبرى التي تبقى شاهدة على وجودها لعشرات وربما لمئات السنين.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المشروع بوصفه رسالة ثقافية وحضارية موجهة إلى العالم الإسلامي بأسره، تقول إن الشعب الكردي أكبر من كونه قضية سياسية أو جغرافية، فهو أيضاً شعب يمتلك إرثاً حضارياً وثقافياً وروحياً عريقاً يستحق أن يكون جزءاً من الذاكرة الإسلامية المشتركة.
لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند هذا الحد، فجامع بارزاني الكبير ربما يكون من أوائل المشاريع الدينية في العالم الإسلامي التي تعيد تعريف مفهوم المسجد نفسه.
ففي التاريخ الإسلامي لم يكن المسجد مكاناً للصلاة فقط، بل كان جامعة ومدرسة ومكتبة ومحكمة ومركزاً للحوار والتعلم وإدارة الشأن العام. ومن رحم المساجد خرج العلماء والفلاسفة والمفكرون والقادة الذين صنعوا الحضارة الإسلامية.
ويبدو أن المشروع الجديد يسعى إلى استعادة هذه الفلسفة التاريخية بصيغة عصرية.
فهو لا يضم قاعات للصلاة فحسب، بل مكتبات ومراكز أرشفة للمخطوطات الكردية والإسلامية، ومتحفاً للتاريخ والتراث، ومدرسة دينية، وقاعات للمؤتمرات، ومراكز للفعاليات الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى مرافق سياحية وبيئية وترفيهية واسعة.
وبذلك يتحول المسجد إلى مدينة معرفية وثقافية وروحية متكاملة، تستقطب الزائر طوال أيام السنة، لا في أوقات الصلاة فقط.
ومن هنا يمكن فهم الطموح الحقيقي للمشروع، فأربيل تسعى من خلال هذا المشروع إلى إنشاء مركز عالمي للحوار الإسلامي والثقافي يمكن أن يحتضن المؤتمرات والملتقيات الفكرية والدينية الكبرى، وأن يستقبل علماء الدين والمفكرين والأكاديميين والباحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى منصات للحوار والتقارب والتفاهم، يمكن لمثل هذا المركز أن يمنح أربيل دوراً جديداً يتجاوز حدودها الجغرافية.
كما أن المشروع يحمل بعداً آخر لا يقل أهمية، فالقضايا الوطنية الكبرى لا تنتقل إلى العالم دائماً عبر السياسة وحدها، بل كثيراً ما تنتقل عبر الثقافة والمعرفة والقوة الناعمة.
وحين يأتي مئات الآلاف من الزوار والسياح والباحثين والعلماء إلى أربيل سنوياً، وحين يطلعون على التاريخ الكردي وعلى الثقافة الكردية وعلى تجربة كردستان الحديثة، فإنهم سيحملون معهم صورة مختلفة وأكثر عمقاً عن الشعب الكردي وقضيته وتاريخه.
إنها دبلوماسية الثقافة والحضارة التي غالباً ما تكون أكثر تأثيراً وأطول عمراً من الخطاب السياسي المباشر.
غير أن جامع بارزاني الكبير لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تشهده كردستان خلال السنوات الأخيرة، فالمشروع يأتي ضمن رؤية تنموية متكاملة شهدت في عهد التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني طفرة واضحة في البنية التحتية والعمران والخدمات العامة.
فخلال هذه السنوات شهد الإقليم تنفيذ عشرات المشاريع الاستراتيجية في الطرق السريعة والجسور والأنفاق والسدود وشبكات النقل، فضلاً عن إطلاق المشروع الاستراتيجي لتأمين مياه الشرب لمدينة أربيل لعقود طويلة قادمة، وهو المشروع الذي يهدف إلى تلبية احتياجات العاصمة لأكثر من نصف قرن.
كما شهدت المدن الرئيسية عمليات واسعة لتحديث شبكات الطرق وتنظيم المرور وتقليل الاختناقات المرورية عبر إنشاء الجسور والأنفاق والمحاور الحديثة.
وفي قطاع الطاقة، يمثل مشروع “روناكي” أو “النور” واحداً من أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ الإقليم الحديث، إذ نجح لأول مرة منذ عام 1991 في وضع كردستان على طريق توفير الكهرباء على مدار أربعٍ وعشرين ساعة يومياً، رغم التحديات التي يواجهها المشروع، فهو هدف ظل بعيد المنال لأكثر من ثلاثة عقود.
وهكذا، فإن جامع بارزاني الكبير لا يبدو مشروعاً منفصلاً عن هذه التحولات، بل يأتي بوصفه الامتداد الثقافي والروحي لنهضة عمرانية وتنموية أوسع.
فالطرق والجسور تبني حركة المدن، والمياه والكهرباء تبني استقرارها، أما المعالم الحضارية الكبرى فتبني روحها وهويتها.
ولهذا فإن الجامع الجديد قد يصبح مستقبلاً أحد أهم رموز أربيل الحديثة، تماماً كما أصبحت قلعة أربيل رمزاً لتاريخها القديم.
فالقلعة تختصر آلاف السنين من الماضي، بينما قد يصبح جامع بارزاني الكبير رمزاً للقرن الحادي والعشرين في كردستان.
وإذا نجح المشروع في تحقيق الرؤية المعلنة له، فإن أربيل ستكون مدينة تمتلك واحداً من أكثر المراكز الإسلامية والثقافية تكاملاً وتأثيراً في العالم الإسلامي، ومقصداً للعلم والسياحة والحوار والثقافة، وجسراً حضارياً جديداً يربط كردستان بالعالم الإسلامي من أوسع أبوابه.

قد يعجبك ايضا