الاعتراف بالهوية الكوردية… ليس خطرًا على الدولة، بل طريق النجاة من الهويات القاتلة

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

منذ صدور كتابه الشهير “الهويات القاتلة” عام 1998، أطلق المفكر اللبناني–الفرنسي أمين معلوف صرخة تحذير مبكرة من الانزلاق إلى هوية مغلقة، قد تتحول – بفعل القمع أو التسييس – إلى هوية قاتلة. تلك الهوية التي تُختزل في عنصر واحد، وتُستنزف في معارك البقاء والدفاع عن الذات.

وبينما كان معلوف يُفكك الهويات المتصارعة في لبنان وأوروبا، فإن الحالة الكوردية في الشرق الأوسط تمثل التجسيد الأوضح لهذه الهوية المستباحة، الممنوعة، والمقاومة في آنٍ واحد.
من تركيا إلى إيران، ومن العراق إلى سوريا، يواجه الكورد منذ عقود سؤالاً وجوديًا:

هل يمكن أن تكون كورديًا… دون أن تُتهم بالتمرد؟
هل تستطيع أن تحمل لغتك وتاريخك وثقافتك… دون أن تدفع الثمن؟

الهوية الكوردية بطبيعتها هوية مركّبة: قومية في الانتماء، لغوية في التعبير، دينية وثقافية متنوعة، وجغرافية ممتدة. لكن الأنظمة القومية المحيطة لم تتعامل معها كغنى، بل كمصدر تهديد. فتم تجريم اللغة، وتحريم الأسماء، وتشويه التاريخ، بل وصلت الممارسات إلى حد الإبادة الجماعية كما حصل في حلبجة و بادينان عام1988.

في هذا السياق، يصبح الكوردي مجبرًا على خيارين أحلاهما مرّ:
•إما التخلي عن هويته الأصلية والانصهار القسري
•أو التمسك بها ومواجهة الاتهام بالانفصال والتطرف

وهذا بالضبط ما وصفه أمين معلوف حين قال:
“حين يُجبر الإنسان على الاختيار بين انتماءاته المتعددة، يتحول كل انتماء إلى ساحة معركة.”
في الدول التي نشأت بعد انهيار الإمبراطوريات العثمانية والصفوية، تشكّلت الدولة الحديثة على أساس هوية قومية وحيدة (تركية، عربية، فارسية)، تُقصي كل ما سواها. وفي ظل هذا النموذج، تحولت الهوية الكوردية إلى هوية محظورة، لا يُعترف بها في الدساتير، ولا تُدرّس في المناهج، بل غالبًا ما تُقابل بالقوة.

ولأن الإنسان لا يعيش دون هوية، فقد ظل الكورد – رغم القمع – متمسكين بلغتهم وأدبهم وذاكرتهم التاريخية، ما جعلهم في نظر السلطة: عنصرًا مقلقًا خارج السيطرة.

هكذا تحولت الهوية الكوردية من تعبير عن الذات إلى تهمة جاهزة، لا لشيء سوى أنها مختلفة.

يرى معلوف أن أخطر ما قد يحدث لهوية جماعية هو أن تُحاصر وتُستأصل وتُجرَّم، لأن ذلك يُنتج هوية مضادة، مشبعة بالغضب، وربما بالعدوان. وفي هذه الحالة، تُصبح الهوية “قاتلة” لا لأنها كذلك في جوهرها، بل لأن الظروف فرضت عليها أن تدافع عن نفسها بالوجود أو العدم.

وقد رأينا ذلك بوضوح في حالات المقاومة الكوردية، التي وُصفت دومًا “بالتمرد”، رغم أنها كانت في جوهرها استجابة لضغط الاستئصال، وليست مشروعًا عدوانيًا بحد ذاته.
الحل، وفقًا لرؤية أمين معلوف، لا يكون في اختزال الإنسان في هوية واحدة، بل في الاعتراف بتعدده. والهوية الكوردية تطالب تحديدًا بهذا: أن تُعترف كما هي، بلا خضوع، ولا تزييف، ولا تهميش.

فالمواطن الكوردي لا يريد أكثر من أن يُعامَل بوصفه مواطنًا كاملاً في دولته، وأن تُحترم لغته وثقافته وتاريخه، وأن لا يكون مطالبًا يوميًا بالتبرؤ من ذاته كي يحظى بلقمة العيش أو الاعتراف به.

الهوية لا تقتل. لكن السلطة حين ترفض الاعتراف بها، تدفعها إلى التوحّش دفاعًا عن نفسها. وهذا ما حذر منه معلوف، وما عاشه الكوردي، وما ينبغي أن تتجاوزه الدول الحديثة إن أرادت بناء أوطان شاملة.

إن الاعتراف بالهوية الكوردية ليس خطرًا على الدولة، بل هو طريق الإنقاذ الوحيد من عنف الهويات القاتلة.

قد يعجبك ايضا