مسعود البارزاني.. حين تصمت القوة وتنطق الحكمة

فريدة الحسني

في عالم تتسابق فيه الأصوات ويعلو فيه ضجيج السياسة فوق همسات الحكمة، يبرز اسم مسعود البارزاني كقائد اختار أن يسمع صمته، وأن يهاب اتزانه، وأن يكون الجبل الذي لا تغريه الرياح ولا تفتّ من عضده العواصف.

لم يكن البارزاني مجرد سياسي عابر في تاريخ كردستان والعراق، بل كان رجل المرحلة والقرار، حافظا للإرث النضالي الذي سكن في وجدان الكرد لعقود وحاميا لكرامتهم حين استبيحت، وداعياً إلى التفاهم حين ضاقت السبل. لم يرض أن يكون الصوت الأعلى، بل أن يكون الصوت الأصدق. وحين ساد منطق السلاح، تمسك بمنطق الدولة وحين انجرفت أطراف إلى العبث بالمصير، اختار الثبات، لا الانكسار.

الذين يعرفون تاريخ هذا الرجل يدركون أن صبره ليس ضعفاً، بل مزيج نادر من الحلم والدهاء وأن حلمه ليس خنوعاً، بل صلابة من طراز مختلف. هو نجل مصطفى البارزاني، لكنه لم يركب صهوة المجد الوراثي، بل صنع لنفسه طريقاً يستند إلى المبادئ ويستقر على أرض من القيم والواقعية السياسية.

ولعلّ أعظم ما يميز البارزاني أنه لم يغره وهج الزعامة بقدر ما جذبته فكرة بناء مؤسسات قادرة، ومستقبل مستقر لأجيال ظلت تحلم بوطن. فهو رجل التوازنات، الذي عرف متى يصمت ومتى يتحدث، متى يفاوض ومتى يتصلب، متى ينسحب ومتى يتقدم، مدفوعاً لا بحب السلطة، بل بمسؤولية التاريخ.
نعم، لا تختبروا صبر الجبال، لأن الجبل حين يغضب لا يصرخ، بل يتحرك، والبارزاني جبل لم يُهز، لأنه لم يكن يوماً بلا جذور.

في زمن الصخب، كان مسعود البارزاني استثناءً صامتاً… لكنه دائماً حاضرولأن القادة يعرفون بما يتركون من أثر لا بما يرفعون من شعارات، فإن إنجازات مسعود البارزاني في إقليم كردستان تمثل شهادة ناطقة على رؤيته الواضحة وإدارته الحكيمة، ففي عهده تحولت أربيل من مدينة عادية إلى عاصمة نابضة بالحياة تضاهي في عمرانها وتنظيمها وأمنها كبرى المدن المتقدمة في المنطقة،باتت قبلة للاستثمار، ومركزاً للنهضة العمرانية والاقتصادية وواحة استقرار وسط محيط مضطرب. لم تكن الصدفة من صنعت هذا الواقع، بل سياسة واعية راهنت على الإنسان وعلى تثبيت الأمن كشرط أول للتنمية، فنجح الإقليم في اجتذاب الشركات والمشاريع وفي توفير مناخ فريد جعل من أربيل عنواناً لقصة نجاح كردية تستحق أن تروى.

لقد أراد البارزاني أن تكون كردستان أكثر من مجرد حلم قومي، فجعلها مشروعاً حقيقياً للتنمية ومساحة آمنة لكل من يبحث عن الكرامة والعيش الكريم. ولهذا، لم يُذكر اسمه يوماً إلا واقترن بالاستقرار والاعتدال في زمنٍ ضاع فيه الاتزان اليوم، وبينما تمضي الشعوب في بحثها عن قادة يؤتمنون على المصير يبقى مسعود البارزاني في ذاكرة كردستان والعراق مثالاً للقائد الذي لم يبدد الحلم، بل صانه، ولم يخضع الجبل، بل كان هو الجبل. نختلف في السياسة، لكننا لا نختلف على من حملها بشرف، ففي زمن تباع فيه المبادئ اختار أن يشتري بها سلام أهله، وأمن أرضه، وكرامة قومه.
ولمن يسأل عن معنى القيادة، فليأت إلى أربيل وينظر كيف تبنى الأوطان حين يحكمها رجال من معدن.

قد يعجبك ايضا