نور الهدى رياض
منذ الانتخابات الأولى بعد عام 2003، لم تنجح صناديق الاقتراع في ترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن. التجربة السياسية التي تلت ذلك اتسمت بالتراجع والارتباك، وتعمّق الإحساس الشعبي بأن العملية الديمقراطية مجرد إجراء شكلي لا يُفضي إلى تغيير حقيقي. تفاقمت خيبة الأمل بسبب الأداء الضعيف للمؤسسات، وتراكم النفوذ داخل حلقات مغلقة من الأحزاب المتسلطة. المواطن اليوم يتحدث عن الانتخابات بوصفها مناسبة متكررة تعيد نفس الأسماء، وتستنسخ ذات الخطابات، وتُدار ضمن حدود الطائفة والمصالح، دون أي أثر ملموس على مستوى التمثيل أو القرار
وهم التغيير
عقب احتجاجات تشرين، ساد شعور واسع بأن مرحلة سياسية جديدة بدأت بالتشكل. بدا الشارع، ولو للحظة، وكأنه على وشك استعادة زمام المبادرة، مدفوعًا بأمل في ولادة قوى إصلاحية تعبّر عن تطلعاته. ومع بروز أحزاب وشخصيات رفعت راية التغيير، تعزّز هذا الأمل، غير أن تلك القوى سرعان ما اختبرت واقعًا سياسيًا محكومًا بالتوازنات القديمة.
ففي خضم التجاذبات والضغوط، انزلقت بعض هذه القوى نحو تفاهمات مع أطراف تقليدية، بينما فقدت أخرى وضوح خطابها وهويتها التنظيمية. لم يتأخر الزمن كثيرًا حتى بدت تلك المشاريع الجديدة وكأنها انعكاسٌ باهت لما سبقها، ما عزّز القناعة بأن التغيير لا يتحقق بمجرّد تبديل اللافتات أو الأسماء.
النفوذ المسلح وتعطيل المسار السياسي
أحد أبرز مظاهر الاختلال في المشهد السياسي العراقي هو النفوذ المتنامي للجماعات المسلحة، التي تجاوز دورها الأمني إلى التأثير المباشر في صناعة القرار. لم تعد هذه الكيانات مجرّد ظاهرة أمنية، بل باتت طرفًا فاعلًا يُعيد تشكيل المشهد وفق مصالحه.
الانتخابات البرلمانية عام 2021 كانت محطة كاشفة، حيث تَعرقل تشكيل الحكومة رغم فوز كتلة واضحة، بسبب ما عرف حينها بـ”الثلث المعطّل”، والذي لم يكن سوى امتداد لقوة الأمر الواقع المفروضة خارج الأطر الدستورية. هذه الحالة أبرزت هشاشة البنية السياسية، وكشفت عمق الأزمة التي تتعلق بتوازن الأصوات داخل البرلمان وخارجه ايضاً.
التدخل الدولي المجاور
لا تقتصر عوامل الجمود السياسي في العراق على التحديات الداخلية فحسب، فالأثر الإقليمي والدولي حاضر بقوة في صياغة القرار. وتُعدّ إيران من أبرز الفاعلين الخارجيين، بحكم علاقاتها الوثيقة مع فصائل مسلحة وأطراف سياسية نافذة، تُسخّر نفوذها لضمان استمرار نفوذها الاستراتيجي في البلاد.
هذا التشابك يُعقّد أي مسعى وطني للإصلاح، إذ إن محاولات التغيير تظل خاضعة لتوازنات لا تتشكل داخل بغداد وحدها. وهذا ما يجعل الإرادة الوطنية مقيّدة، والمبادرات الداخلية عرضة للتعطيل متى تعارضت مع مصالح الخارج.
الأزمة الطارئة
الأزمة العراقية الراهنة لا نستطيع اختزالها في فشل إداري أو سوء إدارة موارد، فهي أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام خلل بنيوي في طبيعة النظام السياسي، وبنية توزيع السلطة، وآليات إنتاج القرار.
وفي غياب بيئة سياسية نزيهة ومتوازنة، يصبح الحديث عن ديمقراطية فاعلة أمرًا خارج الواقع. فالسلاح المنفلت، والمال السياسي، والإعلام المسيّس، جميعها عناصر تجعل من المشاركة السياسية فعلاً محبطًا أكثر منه وسيلة للتغيير.
الخلاصة
المشهد السياسي العراقي اليوم يعكس إرثًا ثقيلًا من التراكمات التي أنتجت نظامًا هشًّا ومفككًا؛ إذ اجتمعت فيه مظاهر الفشل المؤسسي مع سطوة السلاح، وتداخل النفوذ الحزبي مع غياب الإرادة الوطنية المستقلة. هذا الواقع، رغم قسوته، فهو يُودي إلى نقص في الإمكانيات أو انعدام الكفاءات، أيضا الى غياب رؤية جامعة تنهض بالمصلحة العامة وتضع قواعد سياسية صلبة تُبنى عليها الثقة المفقودة بين الدولة والمواطن.
المرحلة المقبلة تستدعي تحولًا حقيقيًا في بنية النظام السياسي، يتجاوز المعالجات الشكلية، وينفتح على إصلاح شامل يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. والمطلوب ليس مجرد تداول أسماء، وانما إعادة ترتيب الأولويات بما يكرّس الديمقراطية كقيمة ناظمة للحكم، ويُرسّخ دور المواطن بوصفه فاعلًا أصيلاً في صناعة القرار، ليس هامشًا تابعًا للنفوذ أو الطائفة أو السلاح