كردستان العراق: نهج الدولة حين تتجسد في البناء والكرامة

محمد علي محيي الدين

في قلب العراق، حيث تنوء الجغرافيا بثقل الماضي وتخبط الحاضر، ينهض إقليم كردستان كأنموذج مغاير لما اعتاده العراقيون في بقية البلاد. ليس لأنه معصوم من الأخطاء أو خالٍ من التحديات، بل لأنه اختار أن يسلك طريقًا وطنيًّا رشيدًا، بعيدًا عن مستنقعات الطائفية وضجيج الهويات المتناحرة. هناك، في كردستان الذي كان يومًا منفى للمعارضين، تنبت اليوم تجربة دولة تتلمّس طريقها ببصيرة، وتمنح أبناءها ما يحلم به العراقي في سائر الجهات: حياة آمنة، وخدمات مستقرة، وأمل لا تمحوه العواصف.

في المقابل، لم يبرح القسم العربي من العراق وحله الطائفي ولا حوّله تقلب السنوات إلى وطنٍ للعدالة أو ساحة للإعمار. فقد استحكمت فيه الأهواء، وتنازعت عليه القوى الظلامية، حتى أصبح صورة درامية لحكاية فساد لا تنتهي. ولعل في هذا التباين بين الإقليمين – الكردي والعربي – ما يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الأجوبة، ويكشف زيف من يدّعي تمثيل “الأكثرية” بينما يعجز عن بناء مدرسة أو تأمين دواء.

قد يكون من مفارقات التاريخ السوداء أن يتفق خصمان لدودان – السنة والشيعة – في لحظة من لحظات الماضي على هدف واحد: الإجهاز على ثورة 14 تموز 1958. تلك الثورة التي أرعبت المستعمرين وأذرعهم في الداخل، فتكالبت عليها قوى الداخل والخارج: من شاه إيران إلى العروبيّ جمال عبد الناصر، ومن الصهيونية إلى الرجعية الدينية، فجاء الانقضاض عليها في 8 شباط 1963 إيذانًا بانتهاء حلم العراق الوطني المستقل، وبدء حقبة الدم والانقلابات والمشانق. لكنّ من دبروا تلك الخيانة التاريخية لم يحصدوا النصر، بل انقلبت عليهم دوائرها، ففتك بهم حزب البعث الذي استقووا به، وتركهم كعصف مأكول في لعبة لا ترحم.

وعلى الرغم من خلافهم في تفاصيل الطقوس والمذاهب، فإنهم جميعًا اتفقوا على عداء الثورة، لا لشيء إلا لأنها قصقصت أجنحتهم، وفضحت عمالتهم، ووقفت حجر عثرة أمام أطماعهم في المال والسلطة.

وبعد سقوط البعث في 2003، عادت الحيتان القديمة بأثواب جديدة، واندلع الصراع بين الإسلامويين سنّة وشيعة، ينهش بعضهم بعضًا، ويستبيحون دماء العراقيين باسم الطائفة والدين. لكنهم اتفقوا مجددًا على هدف موحد: محو ذكرى ثورة تموز، وتجريم زعيمها عبد الكريم قاسم، الذي ظلّ في ذاكرة الناس مثالًا للنزاهة والوطنية، لم تمتد يده إلى المال العام، ولم يرتمِ في أحضان الأجنبي، ولم يبادل الدم بالثروة. مات نظيف اليد، ناصع السيرة، بينما يتكاثر من بعده الفاسدون، ويغصّ العراق بأشباه الرجال من الناهبين والمرتهنين.

ولعل المواطن العادي يسأل نفسه اليوم: ما سر هذا العداء العميق الذي تكنّه تلك القوى لشعب كردستان؟ ألم تكن أربيل وسليمانية ودهوك ملاذًا لهم حين كانوا مطاردين من الدكتاتورية؟ ألم تستقبلهم كردستان، وتفتح لهم الجبال والبيوت؟ فكيف يردّون الجميل بقطع أرزاق الناس، وشن حرب إعلامية وسياسية على الإقليم وأهله، فقط لأنه أفلح فيما فشلوا فيه، وبنى في ظل الخراب، واستثمر القليل ليخلق بيئة مستقرة وآمنة في زمن تائه؟

لقد أرادوا أن يعمّ الخراب على الجميع، فحين رأوا التقدم في كردستان، سعوا لتقويضه، وقطعوا رواتب موظفيه، علّهم يثيرون الفتنة من الداخل. لكنهم نسوا أن ما بُني على أساس سليم لا تهزه الأزمات، وأن شعب كردستان خبر المحن وأتقن فنون الصبر، فلا ترهبه ألاعيب الحاقدين.
وللمرة الثانية في حياتي، وجدت نفسي أصفّق واقفًا. المرة الأولى كانت حين امتلأت ساحة الفردوس ببغداد في تموز 2003، وخرج العراقيون ليهتفوا باسم وطنهم لا باسم الطائفة أو المذهب. أما اليوم، فصفقت لحكومة كردستان حين قررت تعطيل الدوام الرسمي احتفاء بذكرى ثورة تموز، وفاءً لتاريخ وطني نقي، بينما ألغت “جمهورية العراق الإسلامية” هذه العطلة الوطنية، وكأنها تضع التاج على رأس المحتل الذي جاءت به، وتعلن جهارًا انحيازها للضد من كل ما هو وطني ونزيه.

إن موقف حكومة الإقليم لا يُقرأ إلا باعتباره وفاءً نادرًا لذاكرة العراق الحقيقية، وشهادة بأن كردستان، برغم اختلاف قوميتها، كانت ولا تزال تحمل روح العراق الذي نحلم به: عراق الدولة، لا عراق الميليشيا؛ عراق المواطنة، لا عراق المحاصصة؛ عراق العدل، لا عراق الحيف.
فتحية لشعب كردستان، وتحية لحكومته التي أبقت جذوة تموز حيّة، ورفضت أن تطفئ النور في زمن الظلمة. أما الذين أنكروا تموز، فليس لهم من العراق إلا الاسم، ولا من الوطنية إلا الادعاء.

قد يعجبك ايضا