شراء الذمم  جريمة انتخابية وضعف الوعي الجماهيري

د. يوسف السلوم

في كل موسم انتخابي تعود إلى الواجهة ظاهرة خطيرة تهدم أسس الديمقراطية، وتُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي، وهي ظاهرة شراء الذمم من خلال شراء اصوات الناخبين أو ما يُعرف بتقديم الأموال أو الهدايا أو الوعود مقابل الأصوات الانتخابية.

ورغم أن هذه الظاهرة تُعدّ جريمة انتخابية وفق العديد من القوانين الوطنية والدولية، حيث نصت المادة(32/ثانياً) من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم(9) لسنة 2020 على انه” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من أعطى أو عرض أو وعد بأن يعطي ناخباً فائدة لنفسه او لغيره ليحمله على التصويت على وجه معين أو على الامتناع عن التصويت” إلا إنها لا تزال تُمارس بوسائل مختلفة، وبأوجه متعددة، تعكس تدهورًا في الثقافة السياسية وضعفًا في الوعي الجماهيري.
حيث ان شراء الذمم هو وجه من أوجه الفساد السياسي، إذ يتحول الناخب من شريك في القرار السياسي إلى سلعة تُباع وتُشترى بأرخص الأثمان، ويتحول المرشح من ممثل للشعب إلى “مستثمر” يسعى إلى استرجاع ما دفعه لاحقًا من خلال حصوله على المنصب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنتاج سلطات فاقدة للشرعية  القانونية والأخلاقية.

وفي كثير من الدول فإننا نلاحظ أن المال السياسي أصبح أداة حاسمة في توجيه نتائج الانتخابات، خاصة في المناطق ذات المعدلات العالية من الفقر والبطالة، حيث يُستغل ضعف الحاجة لدى بعض الناخبين لشراء ولائهم الانتخابي.
 وأن عملية شراء الذمم تتخذ  أشكالًا عدة منها، دفع مبالغ مالية مباشرة للمواطنين مقابل الإدلاء بأصواتهم، أو تقديم مساعدات عينية، أو التوظيف أو الوعد بالتعيين في وظائف حكومية بعد الفوز، او التحالف مع زعامات عشائرية أو دينية مقابل دعم انتخابي جماعي.

و كل هذه الوسائل تمثل خرقًا صارخًا للنزاهة الانتخابية، وتكرّس ثقافة الولاء للشخص بدلًا من البرنامج أو الفكرة أو المصلحة العامة.
 وأن مكافحة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق جهة واحدة فقط، بل تتطلب تعاونًا مشتركًا بين الحكومة والمجتمع، من خلال التعاون بين المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لضمان الرقابة والشفافية  و الأجهزة القضائية لتطبيق القانون ومحاسبة المخالفين، كذلك دور وسائل الإعلام لكشف الممارسات الفاسدة والتوعية بمخاطرها، كما اننا لا ننسى دور منظمات المجتمع المدني لتعزيز ثقافة الانتخاب الحر والنزيه،  وأخيراً يظهر لنا جلياً دور الموطنين أنفسهم في محاربة هذه الظاهرة، باعتبارهم الخط الأول  من خلال  رفضهم بيع أصواتهم.

إن بناء ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن يقوم على أصواتٍ مباعة، ولا على مرشحين يشترون شرعيتهم بالنقود. بل يتطلب وعيًا جماعيًا بأن الصوت الانتخابي هو أمانة ومسؤولية، وأن المقابل الحقيقي له هو مستقبل الوطن، لا حفنة من المال.
فهل سنرى يومًا صندوق الاقتراع يُعبّر عن الإرادة الحرة، لا عن صفقات السوق السياسي؟

قد يعجبك ايضا