التعايش والتسامح الديني للعرب في التاريخ القديم

الدكتورة : مريم كاظم هادي

إن التمثيلات التاريخية ليست مجرد سرد لوقائع تاريخية، كما يظن عامة الناس، من أجل إثبات أو نفي أمر ما، ولا لأخذ العبرة مما وقع في الماضي، بل المراد أيضا التعرف على مجرى التاريخ البشري، وكيف تطور فيه الإنسان، وصار التواصل الثقافي عبر السياق التاريخي منتجا للحضارات. وناقلا لها من أمة إلى أخرى. لذلك تعَّد محطات التقاء وتلاقح الحضارات قليلة، وزمانها قصير، بالمقارنة لجملة الوقائع التاريخية عامة، باعتبار التاريخ ينقل أخبار الأقوام والأمم المتعلقة بالحياة السياسية والعسكرية، التّي طغت على المشهد التاريخي.
ولما كانت الحوارات الكثيرة في المدة الأخيرة تنصب على موضوع حوار الحضارات أو الأديان، وعلاقة الأنا العربي بالآخر، خاصة بالغربي، فلذلك سيكون التركيز على تمثيلات من العالمين العربي الإسلامي والغرب. هذا لا يعني أن الأمم السابقة خالية من أي تواصل ثقافي، فقد عرفت المجتمعات القديمة علاقات التواصل فيما بينها، إلى جانب التعايش والتسامح الديني داخل كل مجتمع، مثلما يذكر المؤرخ توينبي عن الامبراطورية الفارسية الأولى، أن سياستها تميزت بالتسامح الديني، حيث ساد التوافق والتعايش بين جميع العقائد المختلفة، لأن قهر الناس أو تهجيرهم يمكن إحداثه في أي وقت وبالوسائل المختلفة، إلا أن تهجير الآلهة أمر مستحيل، فضرب مثلا بعبادة يهوه في بيت إيل، شمال فلسطين، لما قضي على المعبد الديني هناك، حمل يهوه شرقا إلى بابل وجنوبا إلى جزيرة الفيلة على مهبط الشلال الأول على النيل.

هذا يدل على أن جميع الفتوحات يجب أن تأخذ ذلك الأمر بعين الاعتبار، كما فعلت الفتوحات الإسلامية إذ تخير السكان الأصليين للبلاد المفتوحة بين الدخول في الإسلام أو البقاء على عقائدهم، وقد أشرنا إلى هذا، أنه قاعدة أساسية في العقيدة الإسلامية وشريعتها.
أما من ناحية الممارسة التاريخية لدى المسلمين، فيشهد الغربيون أنفسهم، أن الفاتحين المسلمين يتمتعون بروح التسامح، لأن الدين الإسلامي قائم على التفكير الحرّ، بعكس الدين المسيحي القائم على مبدأ الخلاص، فكان مجال الاختلاف أوسع في الإسلام. على حد قول المستشرق كارل هينرش بكر.

ويرجع الأمر أيضا إلى طبيعة العرب كونهم من الشعوب المتسامحة، حسب الرحالة الأوربيين، فالتسامح عندهم موغل في القدم، لحرص العربي على حريته حتّى إزاء العقائد، ويحكى أن ملكا من ملوك اليمن قبل الإسلام قال:” إن لي الحكم على الأجساد دون الأفكار وكل ما أبغيه من رعيتي أن تستقر تحت سلطاني، أما عقائدهم فإنني أترك الحكم عليها لبارئهم.
هكذا يشهد معظم المؤرخين على أن المسلمين أقاموا مجتمعهم على روح التسامح والتعايش والتفتح على الآخر، خاصة أهل العقائد الأخرى، لأن دار الإسلام كما يقول هنري كوربان: كانت الأفكار والرجال تنتقل بسهولة من طرف إلى طرف.
أما ول ديورانت فيقول:” لقد كان بنو أمية حكماء إذ تركوا المدارس الكبرى المسيحية أو الصابئية أو الفارسية قائمة في الإسكندرية وبيروت وأنطاكية وحرّان ونصيبين وعند يسابور لم يمسوها بأذى، وقد احتفظت هذه المدارس بأمهات الكتب في الفلسفة والعلم.
لما كانت لأهل العقائد غير الإسلامية مكانة هامة في الحياة الاجتماعية، فقد أصبحت ثقافتهم الخاصة رموزًا لدى المجتمع الواسع، ويقال أن طبيبًا عربيًا اسمه أسد بن جاني، ليس له زبائن، فسئل عن السبب، فقال: يكون للطبيب زبائن إذا كان مسيحيًا ذا اسم سرياني ولهجة سريانية ويلبس رداء من الحرير وهو محرّم على المسلم.
أما إذا انتقلنا إلى المراحل المتأخرة من التاريخ الإسلامي، فنجد الأبواب مفتوحة أمام اليهود والنصارى في المجتمعات الإسلامية، على الرغم من تفشي الفتن الداخلية، ثم اشتعال الحروب الصليبية شرقا وغربا، مع ذلك بقيت روح التسامح سائدة، وكانت العلاقات الاجتماعية بين المسلمين والإفرنج عادية جدا، فالنشاط التجاري في البحر الأبيض المتوسط يسوده التسامح والتعاون في نقل الركاب والبضائع معًا.
ويصف الرحالة ابن جبير مشاهد عجيبة من هذا القبيل، حيث قد تشتعل حرب بين المسلمين والنصارى، ويلتقي الجمعان، و لا يعترض أحدٌ للرعايا والتجار، فهم يعيشون في أمن سواء في السلم أو الحرب.

قد يشك البعض مما ذكرناه، ويحتج ببعض الحوادث التّي وقع فيها بعض اليهود أو النصارى، وتتخذ ذريعة لاتهام المسلمين بالتعصب وغير ذلك، والحق أن اليهود والنصارى لم تفتح لهم الأبواب إلا لدى المجتمعات الإسلامية، حيث تغلغلوا في أجهزة الدولة وشؤون الحياة الاقتصادية، لكن بعضهم لم يحفظ العهد ولا الجميل، حيث ينقلبون عن أعقابهم، بإثارة الفتن والتسلط وإضاعة حقوق المسلمين، لذلك ترفع شكاوى إلى الخلفاء والأمراء، الأمر الذّي يوجب عزلهم من وظائفهم، كأمر الخليفة العباسي الناصر لدين الله بعزل ابن زطينا، لا لكونهم يهودا، مع العلم أن هذه الأوامر قليلة، حتى أصبحت من النوادر.

قد يعجبك ايضا