د. دلدار فرزنده زيباري
عميد كلية عقرة التقنية- جامعة عقرة للعلوم التطبيقية
رغم أن الدستور العراقي الجديد يضمن حقوقًا واسعة لجميع مكونات المجتمع، يبقى تحقيق التمثيل البرلماني الفعّال تحديًا استراتيجيًا يتطلب التزامًا ومسؤولية كبيرة من الجميع. إن مراجعة أداء وسلوك البرلمانيين الكورد السابقين تبرز دروسًا ثمينة يمكن الاستفادة منها لتطوير التعاون بين مكونات الشعب، وتعزيز الحقوق اللغوية والثقافية، وبناء التحالفات خدمةً للمصلحة الكردية والمصلحة الوطنية الأشمل.
1- الفرص الضائعة في المناصرة والتضامن
من أبرز الانتقادات التي واجهت البرلمانيين الكورد في الفترات السابقة محدودية تفاعلهم مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية والخدمية لمناطق العراق كافة، وليس فقط مناطقهم. لقد فوّت النواب الكورد فرصًا مهمة لبناء تحالفات وطنية متينة عبر تبني قضايا جماهيرية مشتركة تلامس مختلف فئات الشعب. إن التحالفات المبنية على التعاون والتعاطف المتبادل أثبتت أنها ضرورية لتحقيق الإنجازات التشريعية وضمان الدعم المتبادل عند خروج القضايا الكردية إلى الواجهة. وتشير الخبرات السياسية إلى أن الانفتاح ومد الجسور مع بقية مكونات المجتمع العراقي يمكن أن يعزز الثقة الوطنية والتضامن، وحبذا لو بادر أي نائب كردي إلى دعوة أطياف الشعب من الجنوب إلى كردستان، بمناسبة أو مهرجان، لأن مثل هذه الخطوات تقرّب القلوب وتعمق الشراكات الوطنية.
2- الحقوق اللغوية: مصدر قوة لا ضعف
تنص المادة الرابعة من الدستور العراقي على اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية ثانية إلى جانب العربية. ومع ذلك، لاحظنا أن كثيرًا من البرلمانيين الكورد أهملوا هذا الحق الدستوري، وفضلوا التحدث بالعربية رغم محدودية إتقانهم لها أحيانًا. هذا الخيار لم يضف لقوة حضورهم، بل أضعف من فعالية خطابهم وساهم في تهميش اللغة والهوية الكردية داخل المؤسسة التشريعية.
تشير السوابق التاريخية إلى أن الإصرار على استخدام اللغة الكردية في البرلمان العراقي كان ممكنًا حتى في فترات غياب الاعتراف الدستوري، كما في تجربة محمود زيباري الذي تحدث الكردية في العهد الملكي وكان هناك مترجم ينقل كلامه لرئاسة وأعضاء المجلس. اليوم، ومع توفر تقنيات الترجمة الحديثة، أصبح تحقيق المشاركة المثمرة باللغتين أمرًا يسيرًا، ويمكن للإصرار على الترجمة عند الحاجة أن يكون تأكيدًا قويًا على المساواة. لذا، ينبغي للبرلمانيين الكورد ممارسة حقهم الدستوري الكامل في استخدام لغتهم، تعزيزًا لمكانتهم وإبرازًا للتعددية الثقافية في العراق الجديد.
3- بناء الوحدة والتحالفات الاستراتيجية
على البرلمانيين الكورد إدراك أن وحدتهم الداخلية هي مصدر قوتهم الحقيقية. فالانقسامات الحزبية أو الطموحات الشخصية أو المصالح المحلية الضيقة تضعف الصوت الكردي وتشتت الجهود. والأجدى تكثيف العمل المشترك وتجاوز الخلافات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للنواب الكورد بناء تحالفات فاعلة مع فئات مهمشة كالسنة والأقليات الأخرى، ممن يشاركونهم تجربة التهميش. هذه التحالفات القائمة على المصالح والقضايا المشتركة قادرة على تشكيل جبهة وطنية مؤثرة في التشريع ومراقبة تنفيذ مواد الدستور والحد من أي هيمنة لفئة بعينها.
4-تعزيز التفاهم والحد من الكراهية
لتخفيف حدة الكراهية وتصحيح المفاهيم الخاطئة بين مختلف الطوائف، من الضروري أن يعمل البرلمانيون وقادة الرأي على تبنّي خطاب يُعزز التعاطف والتفاهم المتبادل. يجب تكثيف الجهود لتوعية الجمهور العراقي الأوسع بالتجارب التاريخية للشعب الكردي، لا سيما ما تعرض له من تمييز وتهميش عبر التاريخ. إن الاعتراف بهذه الحقائق وتسليط الضوء عليها لا يبدد الإنكار فحسب، بل يسهم في بناء جسور التعاطف والتضامن بين مكونات المجتمع.
كما ينبغي التأكيد على الروابط الاجتماعية والدينية المتينة التي تجمع الكورد ببقية أبناء العراق؛ فغالبيتهم مسلمون يمارسون شعائرهم الدينية جنبًا إلى جنب مع العرب والتركمان وغيرهم، ما يعكس إرثًا ثقافيًا ودينيًا مشتركًا. وينبغي أن تتضمن التصريحات الرسمية والحملات التوعوية التي يطلقها البرلمانيون رسائل واضحة بأن مطالبة الكورد بالمساواة في الحقوق لا تمثل تهديدًا لوحدة البلاد، بل تجسد دعوة إلى شراكة حقيقية في إطار دولة عادلة ومستقرة.
ومن خلال التأكيد الواضح على التمسك بوحدة العراق والرغبة في التعايش السلمي تحت مظلة المساواة، يمكن للبرلمانيين أن يحدوا من الخطاب الشعبوي المحرض على الانقسام، وأن يعززوا الهوية الوطنية المبنية على الاحترام المتبادل. هذا النهج لا يقلص فقط من حدة التحيزات القائمة، بل يمهد أيضًا الطريق نحو وفاق وطني يقوم على أسس العدالة والمواطنة المشتركة.
تؤكد التجارب التاريخية والممارسات المعاصرة على أهمية أن يتحلى البرلمانيون الكورد بالثقة بالنفس والرؤية الاستراتيجية، وأن يعملوا باستمرار على ترسيخ حقوقهم اللغوية والثقافية، وتعزيز وحدتهم الداخلية، وتجاوز الحواجز الطائفية والإقليمية. بهذه الطريقة، يمكنهم ليس فقط خدمة المصالح الكردية بفعالية أكبر، بل والمساهمة في بناء العراق الاتحادي المسالم والمتعدد الذي يطمح إليه جميع أبنائه.