نوري جاسم
في حضرة الروح، تسقط كل الأقنعة، وتتراجع الحروف خجلاً، وتتهشم الصياغات أمام بساطة النور الكامن في قلوب العارفين، ذلك النور الذي لا يُرى بالعين ولا يُفهم بالعقل، بل يُذاق بالروح، ويُعانق بالبصيرة، هي الروح الكسنزانية التي لا تحتاج إلى ضجيج لتُعلن عن حضورها، يكفي أن تمرّ بالقرب منها لتشعر أن فيك شيئًا لم يكن، وأن قلبك الذي أرهقته الدنيا قد عاد إلى النبض من جديد، من دون تفسير، من دون سبب، سوى أن هذا الطريق يحمل سرًا لا يُشرح، ولطفًا لا يُوصف، ورحمة لا تُحَد،
وفي الطريقة الكسنزانية، لا تتعلم الطريق من الكتب، بل من الدموع الصامتة، من النظرة التي تخترق أعماقك من دون أن تنطق، من وقفة بين يدي الله وأنت لا تملك شيئًا إلا قلبًا مكسورًا، ترفعه إلى حضرته بصدق، فينهمر عليك فيض من السلام لا يشبه شيئًا في هذا العالم، هناك، إِذْ تسكن محبة الأستاذ المربي في الأرواح، وحيث تتحول كل خطوة معه إلى معنى، وكل لحظة إلى درس، وكل لقاء إلى إشراق، القلوب الكسنزانية لا تُشبه أحدًا؛ لأنها لا تعيش بين الناس كما يعيش الآخرون، بل تحمل في داخلها خريطة نور، تتحرك بها في عالم موازٍ، صامت، هادئ، لكنه أصدق من كل ما نراه ونسمعه، انوارهم دليل في هذا الزمان، أفراحهم لا تُقاس بالمكاسب، وأحزانهم لا تُقاس بالخسارات؛ لأنهم ليسوا عبيد الأسباب، بل أبناء الأسرار، لا يعبأون بما يُقال عنهم، بل يهتمون بما يُقال لهم من وراء الحجب، من ذلك النور العلوي القادري الكسنزاني الذي يتسلل إلى أرواحهم كلما طهّروا أنفسهم من الحقد، وتخلوا عن الأنا، ولبّوا نداء الطريق بصمت وخشوع، وفي كل قلب كسنزاني، محراب صغير لا يُرى، تُرفع فيه الصلوات من غير صوت، وتُسقى فيه الأشواق من غير كأس، وتُغسل فيه الذنوب من غير لوم؛ لأنَّ الله لا ينظر إلى ظواهرهم، بل يختبر جمالهم الخفيّ، ذلك الجمال الذي لا يُشترى، ولا يُتعلم، بل يُهدى، ويُورث، ويُغرس ببركة الشيخ الخربي والمرقي، وبصدق اللمسة الروحية، وبعمق التوجّه، وهم لا يفتخرون بشيء؛ لأنهم يعلمون أن الفخر لله وحده، ولكنهم يشكرون على نعمة الصحبة، ويستحيون من هذا العطاء العظيم، أن يُقابل منهم بالقسوة، أو الجفاء، أو النسيان. في داخلهم ليل هادئ طويل، يهمسون فيه بأسمائه، ويرتلون فيه أورادهم، ويبكون بلا ضجيج، ويفرحون بلا نشوة؛ لأنهم أدركوا أن ما في القرب، أعظم مما في الدنيا كلها، وإذا قابلت أحدهم، قد تراه بسيطًا في كلامه، متواضعًا في مظهره، عاديًا في كل شيء، لكن اقترب منه، وسترى عالَمًا آخر، خفيًا، مليئًا بالدهشة، ولن يشرح لك شيئًا؛ لأنه يعلم أن النور لا يُشرح، فقط سيبتسم، وربما يقول لك: اجلس، واذكر، واذرف دمعة، وراقب ما يحدث لقلبك يا طالب طريق الحق، وفي الروح الكسنزانية سرّ لا يُفسَّر، وحياة لا تُروى، ونبض لا يُشبه شيئًا مما ألفته، فيها من الإمام علي ( كرم الله وجهه ) أثر، ومن الحسين عليه السلام دمعة، ومن القادرية روح ومقام، ومن شيخنا السيد محمد المحمد الكسنزان قدس سره همس لا ينطفئ، ومن السيد شمس الدين محمد نهرو الكسنزان حفظه الله، رفق لا يُوصف، وبصيرة تشق الحُجب، وعين ترى بنور الله، وحين يتكلم القلب، تصمت الكلمات، وحين تتكلم الكسنزانية، تصمت الدنيا؛ لأنَّ صوتها ليس صوتًا، بل ذِكر، وأثر، وطريق، وسكينة، فلا تسأل من أين يأتي هذا النور، فقط كن قريبًا، وافتح قلبك، واترك للروح أن تقول ما لا يُقال، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..