دلالات عودة التصعيد في سورية: قراءة تحليلية واستراتيجية

 

 

عبداللطيف محمد أمين موسى

تُثير عودة التصعيد في المناطق الشمالية والشمالية الغربية من سورية، في هذا التوقيت، تساؤلات عميقة حول المستجدات المحلية والإقليمية والدولية التي أعادت حلب السورية إلى واجهة الصراع العسكري. خاصة أن مستوى التصعيد في هذه المنطقة يخضع لتفاهمات روسية-تركية-إيرانية. ومن أبرز التساؤلات المطروحة: ما الأجندات والمكاسب الاستراتيجية التي يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المراهنة عليها مجددًا في سورية؟ وما الجديد في التنسيق المستمر بين تركيا وروسيا خلال الأزمة السورية؟ وما أبعاد التدهور في العلاقة بين تركيا وإيران بشأن المناطق الشمالية والشمالية الغربية؟ وهل بدأت استراتيجية إدارة ترامب، التي اعتمدت على ميزان “الشراء والبيع” والمراهنة على المصالح في سورية، تلقي بظلالها على إعادة تشكيل ميزان القوى هناك؟

 

الأزمة السورية بين التشخيص والاستنتاج

 

يمكن استخلاص استنتاجين أساسيين بشأن الأزمة السورية:

 

تشخيص الأزمة: الأزمة السورية ليست سوى نتاج أزمات متراكمة في المنطقة، حيث يعاني الشعب السوري من ويلات الحرب، والتهجير، والقتل، وتفكيك بنية المجتمع، مع انهيار ملامح الدولة السورية وتلاشي سيادتها.

أبعاد التصعيد: يرتبط التصعيد الجاري في سورية بتحولات متسارعة تهدف إلى إعادة هيكلة الاستراتيجيات وتوازنات المصالح في المنطقة.

تركيا ودورها في التصعيد

 

تُعد تركيا لاعبًا رئيسيًا في الأزمة السورية، حيث دعمت الفصائل المعارضة، وعارضت النظام السوري، وسعت إلى إعادة هيكلة المشهد السياسي في دمشق. ومن خلال دعمها للفصائل المسلحة، تسعى أنقرة لتعزيز مكاسبها الاستراتيجية في سورية بما يتماشى مع سياسة إدارة ترامب، التي يبدو أنها باتت محور التحرك التركي.

 

تركيا أيضًا تسعى إلى:

 

– الضغط على روسيا: لدفعها إلى الضغط على النظام السوري للقبول بالتطبيع وفق الشروط التركية.

 

– إرسال رسائل سياسية واضحة: بأن التصعيد العسكري خيار قائم إذا لم تتحقق أهدافها، بما في ذلك تغيير الخرائط الميدانية أو تطويع النظام السوري.

 

– مواجهة التحولات الإقليمية: وخاصة ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي-الإيراني الذي قد يؤثر على الأمن القومي التركي.

 

تضارب المصالح التركية-الإيرانية

 

الصراع بين تركيا وإيران في سورية يتجلى بوضوح، لا سيما في المناطق الشمالية والغربية. تسعى تركيا لإضعاف النفوذ الإيراني في مناطق مثل نبل والزهراء وكفريا، حيث تنشط الميليشيات الإيرانية وتعمل على تطوير أسلحة تخدم مشروعها الإقليمي.

كما أن تضارب المصالح بين البلدين يرتبط بمفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة حول الحرب الإسرائيلية-اللبنانية وصراع غزة. يبدو أن إيران تسعى لتقويض المبادرة التركية الرامية إلى جعلها قوة مراقبة في المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد.

 

روسيا واستراتيجيتها في سورية

 

تعتمد الاستراتيجية الروسية على ثلاثة مرتكزات:

 

*الحفاظ على آخر معاقلها في الشرق الأوسط، أي سورية.

*دعم نظام بشار الأسد وإظهاره كمنتصر دوليًا.

*الدفع نحو مشاركة دولية في إعادة إعمار سورية.

ورغم التنسيق المستمر بين روسيا وتركيا، إلا أن تضارب المصالح بين البلدين يبرز بشكل دوري، خاصة في ظل عدم وفاء تركيا بالتزاماتها بفصل الفصائل المسلحة المعتدلة عن تلك الإرهابية في إدلب والمناطق الشمالية.

 

الولايات المتحدة وإيران

تشير التطورات إلى مستجدات في المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، انعكاسًا لاتفاقيات وقف إطلاق النار في لبنان وغزة. يبدو أن هذه الاتفاقيات تشمل إعادة تقييم الوجود الإيراني في سورية، ما قد يؤثر على مناطق خاضعة لسيطرة الميليشيات الإيرانية في حلب وريف إدلب.

 

الخلاصة

إن إعادة التصعيد في سورية تعكس تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، حيث تتصارع القوى العالمية والإقليمية على حساب الشعب السوري، الذي يظل الضحية الأكبر في معادلة الصراع على المصالح والأجندات.

قد يعجبك ايضا