د. أيوب صابر كلالي
الجزء الأول
يعد الايزيديون جزء صميم من الشعب الكوردي،فهم لا يتجزأون من نسيج هذه الامة العريقة التي وجدت على هذه البسيطة منذ الاف السنين، وقد حاول الكثيرون في تشويه اصل هذا الجزء المهم من الشعب الكوردي، واستئصال الايزيديين وتغيير عقيدتهم والتأثير على تكوينهم العرقي والديني المتميز الا ان جميع محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، ويكفي ان اللغة التي يتكلمون بها هو الدليل القاطع لاصاتهم القومية وكذلك ان الكتابان المقدسان(الجلوة) و(مصحف رةش) قد كتبا باللغة الكوردية وبابجدية كوردية اصيلة وقديمة.
وتعرض الايزيديون على مر العصور والازمنة الى شتى انواع الظلم والاضطهاد ومحو هويتهم بطرق ووسائل مختلفة، حتى وصلت الى حملات تطهير وابادة جماعية، الا إن الضربة المؤلمة والموجعة التي اصابت الكورد حديثا هي احتلال مدينة سنجارذات الاغلبية الديانة الايزيدية من قبل تنظيم داعش، حيث استطاع داعش – وبعد ان سيطرعلى الاسلحة والذخائر المتطورة التي تركتها القوات العراقية في الموصل، وكذلك قلة الاسلحة الكافية عند قوات الپیشمرگه لمواجهة هذه القوات- ، السيطرة على هذه المناطق وإقدامه على ارتكاب مجازر وعمليات الابادة الجماعية بحق مواطنيها حيث قاموا بقتل اكثر من ٥٠٠٠ الاف شخص، وقاموا بسبي العديد من النساء الإيزيديات، بينما هرب البقية إلى جبل سنجار خوفا من الابادة الجماعية التي واجهوها، فحوصروا هناك ومـات العديد منهم بسبب الجوع والعطش والمرض، إلى أن تمكنت قوات الپیشمرگه و بدعم من قوات التحالف من تأمين الطرق لهروبهم من الجبل إلى مناطق أكثر أمناً، وكذلك تسببت الحملة ايضا على اختطاف اكثر من ٥٠٠٠ الاف آخرين، حيث مصير اكـثر مــا يقارب ٣٠٠٠ الف منهـم مجهول لحد الآن، وتشريـد مـا يقارب ٤٠٠ الف، فضلا عن تعرض ١٥٠٠ الف امرأة للاغتصاب الجماعي، وبيع الالاف منهن بالسوق كسبايا (۱) .
إن ما حصل مـن سـبي واغتصاب للنساء الايزيديات، هـو فـعـل إبادة بامتياز بكل المقايسس والاعراف والسنن الدولية التي تنطبق عليها جريمة الابادة الجماعية، فقد كان السبي ومـا تبعـه مـن اغتصاب جماعـي نـوعــا خاصــا من الهجوم استخدم كوسيلة للتطهير العرقي، بهدف الترويع والاذلال الجماعي لإقلية دينية وحطا لكرامتها، وايضا بهدف التأثير على التكوين العرقي لهذه الاقلية الدينية، وبذا ينتمي هذا الفعل الى سلسلة الابـادات التي حاقت بالايزيديين والتي عرفت باسم «الفرمانات»(٢) ، فهـي مـن حيـث الجوهر، استمرار لتلك السياسات التي حاولت استئصال الايزيديين وتغيير عقيدتهم والتأثير على تكوينهم العرقي والديني المتميز،(۳) ووفقا للمواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية المتعلقة بجرائم الابادة الجماعية «الجينوسايد فان ما لحقت بالايزيديين من المجازر والسبي والتشريد من ارضهم وفي ديارهم الامنة، هو بحق جريمة الابادة الجماعية بكل معانيه ومقاييسه، فحسب ما جاء في التعريف المتبع والاطـار العـام للابادة الجماعية لرافايل ليمكن (٤) الذي يُعد اول من قام بصياغة كلمـة الابـادة الجماعية، وهو « التدمير المبيت للتجمعات القومية والعرقية والدينية والاجتماعية بما فيها أفعال الإبادة الموجهة ضد تجمعات عرقية أو دينية أو اجتماعية أيا كان الدافع وراءها سياسيا أم دينيا… إلخ، كالمجازر، والمذابح المدبرة، والأفعال المنفذة بغية تدمير الوجود الاقتصادي لأعضاء تجمع ما … إلخ، وتتصل بهذه الفئة أنواع الأعمال الوحشية التي تتعرض لكرامة الفرد، كأعمال الإهانة.» (٥) فان ما تعرض له أتباع الديانة الإيزيدية هو إبادة جماعية Genocide بكل المقاييس والمعايير المتبعة والمألوفة بهذا الخصوص حسب إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام ١٩٤٨ ، الذي يعني ارتكاب أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين، مثل: قتل أعضاء الجماعة، إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطيربأعضاء الجماعة، إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلى للجماعة كلياً أو جزئياً، وفرض إجراءات تهدف إلى المواليد داخل الجماعة الى جانب نقل الأطفال بالإكراه جماعة إلى أخرى، وهذا ما حدث بالفعل لإيزيدية سنجار، والتي نجم عنها تدمير النسيج الاجتماعي لهذا المجتمع. ((٦)
لقد أراد تنظیم داعش بفعلته هذه اعادة التاريخ من جديد في تغييرديموغرافي كامل للمنطقة، وإخراج معظم الكورد من المناطق الاستراتيجية وجلب الآخرين المطيعين له العملية التي بدأت منذ بدايات حملات التهجير والتعريب والتبعيث في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
بعد ان احتل داعش سنجار والمناطق التي يقطنها الايزيدون – ولاسباب ذكرت سلفا – ومـا قـام بـه مـن المجازر بحق مواطنيها الامنيين، كانـت أُولى الاعمال والاستراتيجيات التي تبناها مسعود بارزاني كرئيس لاقليم کوردستان و كقائد عام لقوات الپیشمرگه و اعتبره من اولويات واهتمامات نشاطات البيشمرگه التي يجب القيام بهـا هـي تحـريـر هـذه المناطـق مـن
براثن الارهاب مهما كانت وباي ثمن، وبعد معارك عنيفة مع الارهابيين المغتصبين وبحضور الشخصي لمسعود بارزاني نفسه في ميادين المعركـة وجبهات القتال استطاعت قوات الپیشمرگه و بمساعدة القوات الجوية لطيران التحالف، تحرير مدينة سنجار من بطش داعش، وادى مسعود بارزاني بمــا نـذره على نفسه، ولم يخلف الوعد الذي قطعه الا يرتاح
البال حتى يتحرر سنجار وجميع المناطق الأخرى من قبضة تنظيم داعش، ويعود المواطنون الى سكناهم امنیین ،مطمئنیین، معززين مكرمين، إثـر ذلك أطلق المجلس الروحاني للايزيديين لقب «منقذ الايزيدية».(٧) عـلـى مسعود بارزاني، وثمنوا عاليا تضحيات الپیشمرگه ودورهم البطولي في ملحمة تحرير سنجار. من المعروف ان للايزيديين منزلة كبيرة وهامة عند مسعود بارزاني، فنرى انه وفي مناسبات كثيرة، يعتبرهـم نموذجا ومثالا واضحا على صمود وتضحية الكورد ككل، ورغم جميع المحاولات لاستيعابهم والقضاء عليهم، إلا أن الكورد الإيزيديين دافعوا وببسالة فائقة عن هويتهم القومية، ولم يستطع احد ان يمحوهم او يلغي وجودهم أو يمحـوهويتهم القومية، إن التزام الكورد الايزيديين بهويتهم القومية والدينية، انهم كانوا دوما سلاحا قويا يستخدمونه في مواجهة أعدائهم، الذين على الرغم من قساوتهم وبربريتهم وجميع أفعالهم اللاإنسانية أثنـاء إحتلال مناطقهم، لم يستطيعوا تغيير إرادة هذا الجزء العزيـز مـن الشـعب الكوردي، وان ما قام به المئات مـن شـباب كوردستان في حملهـم اسلحة الشرف وإنضمامهم إلى صفوف قوات الپیشمرگه من جميع انحاء اقليم کوردستان، وتحريرهم مدينة سنجار بدمائهم الزكية وإستشهد الكثيرون من أجلها، بعثوا برسالة واضحة للجميع تؤكد حقيقة واحدة الا وهي، أن الإيزيديين هم جزء لا يتجزأ من شعب كوردستان ويعيشون تحت رايتـه الخفاقة في العلا.
K24