الأستاذ المساعد د. نايف كوردستاني
الجزء الثاني
ولهذا السبب برزت فكرة إنشاء الإقليم من شخصيّات، وجهات سياسيَّة سُنِّيَّة الذين يعانون من التَّهجير، واللجوء، والنُّزوح، والتَّغييب، والمعتقلين الأبرياء في السُّجون، والتَّهميش، والإقصاء السِّياسيّ، والمكاتب الاقتصاديَّة، وفرض الإتاوات، وسيطرة الفصائل المُسلَّحة في مناطقهم، وفقدانهم الأمل بالطَّبقة الحاكمة، وتجدر الإشارة إلى أَنَّ كثيرًا من السُّنَّة كانوا رافضين للعملية السِّياسيَّة، والدُّستور، وفكرة تشكيل الأقاليم، لكن اليوم توصُّلوا إلى قناعة تامَّة بأَنَّ الحلَّ يكمن في الأقاليم الدُّستوريَّة -على غِرار تجربة إقليم كوردستان النَّاجحة-، وعدم فرض هويّات فرعيَّة على مواطني تلك المناطق، وهذا مطلب شرعيّ، وحَقٌّ دستوريٌّ وفق الدُّستور العراقيّ.
إِنَّ خيار بناء الدَّولة المدنيَّة الدِّيمقراطيَّة، والعمل على الهويَّة الوطنيَّة، وترسيخ ثقافة المواطنة هو الخيار الأمثل، والناجح، وهذه المرحلة تقتضي تحالفًا واسعًا بين المؤمنين بالهويَّة الوطنيَّة جميعًا بغض النظر عن القوميَّة، والدِّين، والمذهب، والطائفة، والمنطقة، وهذا النهج هو المُخلِّص من سياسة التَّهميش، والإقصاء، والإلغاء.
حاول النِّظام السِّياسيّ المَلكيَّ بناء مشروع الهُويَّة الوطنيَّة، لكنَّه لم يستطع إكماله، بلْ إِنَّه كان وجهًا لوجهٍ مع أزمة الهُويَّة الوطنيَّة العراقيَّة لعدم تجانس مُكوِّنات الشَّعوب العراقيَّة، وكان كُلُّ مُكوِّن اجتماعيّ منغلق على نفسه بسبب السِّياسات التي مارستها الدَّولة العُثمانيَّة، إذ خضع المُجتمع الحضريّ إلى الشَّريعة الإسلاميَّة، وكان أهل الرِّيف غارقين في العادات، والتَّقاليد، والأعراف العصبيَّة القبليَّة، في حين كان المثقفون متأثرينَ بالثَّقافة التُّركيَّة- العُثمانيَّة-.
لقد مَرَّ العراق بتطوّرات سياسيَّة مُهمِّة مُنذ تأسيس الدَّولة العراقيَّة الحديثة في عام (1921م)، وخضع لأنظمة سياسيَّة مُتنوِّعة أيضًا (المَلكيَّة، والجُمهوريَّة الأولى، والثَّانيَّة، والثَّالثة، والاتّحاديَّة –الفيدراليَّة-)، وقد عانت كُلّ هذه الأنظمة السِّياسيَّة من صُعوبة إيجاد هُويَّة وطنيَّة، وبناء مشروع مواطنة عراقيَّة.
إِذْ إِنَّ طبيعة التَّنوّع السَّائدة في تركيبة المجتمع العراقيّ، وتُعدّد أطيافه، ومُكوِّناته بدلًا مِنْ أَن تكونَ عامل إِثراء ثقافيّ وحدويّ كانت عاملًا معيقًا للهويَّة الوطنيَّة، وليس ذلك لتأصيل الهويَّات الفرعيَّة في المجتمع العراقي فحسب، وإِنَّما عدم قدرة كُلّ الأنظمة السِّياسيَّة المتعاقبة على إرساء مشروع وطنيّ، ورُبَّما عدم جدّيّته!
إِنَّ دور الدَّولة يكمنُ في عمليَّة بنائها هو جَمْع شِتات شعبها، وعناصرها العِرقيَّة، وانتماءاتها الدِّينيَّة، والمذهبيَّة في نظام سياسيّ واحد، وقويّ، فضلًا عن بناء الدَّولة، فلا بُدَّ من تعزيز مفهوم المُواطنة، وتخطِّي الفروقات الدِّينيَّة، وتعزيز الاندماج المُجتمعيّ، والوحدة الوطنيَّة القائمة على التَّلاحم بين مختلف مُكوِّنات المجتمع التي تُعرف بالوحدة الثَّقافيَّة، والسِّياسيَّة في إطار الدَّولة، والقبول بالآخر في إطار الهُّويَّة الوطنيَّة، والانتماء، والولاء لها في ضوء القِيم الوطنيَّة المُشْتركة.
تبقى المُواطنة مرتكزة على بُعدين مهمين، وهما، الأوّل: المُساواة، والثَّاني: الحُرية، إذ المُساواة في الحُقوق، والواجبات، والحُريَّة في كُلِّ ما يحفظ نوع الفرد سياسيًا، وثقافيًا، ودينيًا، وما يتبع هذان البُعدان من الإحساس، والولاء للدَّولة ممَّا يعني بأَنَّ المُواطنة هي بحدّ ذاتها مُرتكزًا لبناء الدَّولة.
إِنَّ ما حلَّ بالعراق بعد سنة (2003م) كان له أثر عميق في تفتيت مشروعه لبناء دولة وطنيَّة قويَّة تمتلك كُلّ مُقوّمات القُوّة، والتَّأثير إقليميًّا، ودوليًا، وتشكّلت كُلّ الحُكومات العراقيَّة من بعد عام (2005م) ممَّا جعلها حكومة شراكة وطنيَّة قائمة على أُسُس ثلاثة، وهي المُشاركة، والتَّوازن، والتَّوافق لكن هذا لم يُطبَّقْ عمليَّا ولم يُترّجمْ على أرض الواقع، ومِنْ ثَمَّ أدّت إلى ضعف الدَّولة، و قُوَّة الهويَّات الفرعيَّة، وغاب مشروع الهويَّة الوطنيَّة، وبدأت مؤسسات الدَّولة تُؤطِّر الانقسامات العرقيَّة، والدِّينيَّة، والطَّائفيَّة، وقامت التَّعدديَّة الحزبيَّة على استغلال الهويَّات الفرعيَّة بوصفها أهمُّ مُحرِّك للتَّعبئة الجماهيريَّة، وتحوّل بناء المُواطنة إلى إستراتيجية للكسب السِّياسيّ الحزبيّ، إِذْ إِنَّ ضعف الدَّولة، وصراع المُكوِّنات جعل المواطن أن يلجأ إلى هويّته الفرعيَّة، ويتمسك بها، فأعاد المواطن العراقي ارتباطه بالقوميَّة، والقبيلة، والطَّائفة؛ ليحقق من خلالها الأمان حين عجزت الدَّولة عن ضمانته.
وممَّا تقدم أن المواطن العراقي ينظر إلى وطنه من خلال قوميته، ودينه، ومذهبه، وطائفته بمعنى أنه ينظر لما هو صالح هويته الفرعيَّة على حساب هويّته الوطنيَّة، ومشروع المواطنة يفترض أن تكون النظرة معكوسة أي ينظر العراقي إلى ولائه من خلال الولاء للوطن فما يصلح للعراق، واستقراره صالح للطائفة. ومن خلال تغليب الهويَّات الفرعيَّة على الولاء للوطن غاب مشروع المُواطنة، والإشكالية الأخرى التي سبّبت الانتماء للهويَّة الفرعيَّة تقع على السُّلطة التي رفعت هذه الهويَّات على حساب الولاء الأكبر للهويّة الوطنية، إذ يقعُ على عاتق السُّلطة أَن ترفع التَّمييز على أساس القوميَّة، والدِّين، والمذهب، والقبيلة في الحقوق، وإذا ما تمكّنت السُّلطة من رفع القانون فوق المواطن، فأَنَّها قد تجاوزت التَّمييز، وستُحقِّقُ المُساواة، وتعلي من شأن المُواطنة، والشُّعور بها، ففي الدُّول المُتقدِّمة هناك أولوية للنِّظام على المواطن، فليس هناك تعارض بين الانتماء للقوميَّة، والمذهب، أو القبيلة، أو الدِّين، والانتماء للوطن، بل على العكس يمكن أن تكون هذه الهويَّات الفرعيَّة عامل إثراء وطنيّ، وثقافيّ إذ ما رفع التَّمييز على أساسها.
أمَّا الهويَّة الوطنيَّة، والمُواطنة، وبناء الدَّولة المُوحّدة القويَّة يتطلب وجود شعب مؤمن بهدف مشترك واحد رغم تنوعه، واختلافه، وهي ما يعرف بالإرادة الوطنية التي تُرجِّح كفَّة الوطن على بقية الانتماءات سواء القوميَّة، أم الدِّينيَّة، أم الطَّائفيَّة.
يرى بعض المختصّين أَنَّ مفهوم الهُويَّة الوطنيَّة يرتبط بالمُواطنة، ويعني تعزيز الشُّعور، والإحساس لدى الأفراد داخل المجتمع بالانتماء، والولاء الحقيقي إلى البلد، والحفاظ عليه.
وتقومُ الهُويَّة الوطنيَّة على أربع مقومات أساسيَّة، وهي المُساواة، والحُقوق، والواجبات، والولاء والانتماء، والمشاركة السِّياسيَّة.
إِنَّ الهُويَّة الوطنيَّة الجامعة هي الانتماء إلى الأرض التي تعني الوطن، وهي مجموعة من القِيم، والأخلاق التي تعكسُ أفعالًا تُعزِّزُ من الاستقرار في الوطن، والدِّفاع عنه، والتَّقييد بنظمه، واحترام قوانينه، ونسيجه الاجتماعيّ المُتنوّع.
ولكي يشعر الفرد بهويّته الوطنيَّة يجب أن يتمتع بحقوقه أولًا في وطنه استنادًا إلى نظامـه القـانونيّ؛ ليـزداد ثقته بوطنـه، فضــلًا عـن ذلـك يتطلـب أن يكــون المواطنـون شـركاء حقيقيـين فـي صـنع القـرارات المهمـة فـي أوطـانهم؛ بشـرط أن تتوافق هذه الحقوق مع ما يفرضه الدستور من التزامات على عاتق المواطن ليصـون كرامـة، وهيبــة الــوطن.