التآخي : وكالات
حنجرة ذهبية صدحت على مدى عقود من الزمن بأعذب الأغاني الخالدة، صوت يخترق شغاف القلوب وطلة أنيقة لم تبدلها عاديات السنين، فنان ذو قيمة فنية كبيرة استطاع أن يخط لنفسه لوناً غنائياً خاصاً لا يشبهه أحد من المطربين، لذلك أغنياته لا تقبل أن تغنى إلا بصوته، غنى كثير من الألوان الغنائية لاسيما البغدادية التي أجادها بحرفية عالية لا مثيل لها، لم تكن الشهرة هاجسه منذ بدء الغناء بل كان يشغله كيف أن يصل بصوته الى الجمهور ليكون مؤثراً، نهل وتربي من بيئتين محافظتين الديوانية حيث مسقط رأسه والنجف الأشرف حيث صباه ودراسته واكتشاف الذات، يعتبر نفسه فناناً محظوظاً وما زال مؤثراً في الساحة الفنية العراقية.
الفنان الكبير “حميد منصور” كان في ضيافة “وكالة الأنباء العراقية” (واع) في حديث صحفي شيق قلبنا بعض من صفحات مسيرته الفنية في حوار لا يخلو من الصراحة والبساطة:
* في البدء لدي معلومة تقول إنك قبل أن تلج مجال الغناء كنت رادوداً دينياً وتقرأ القرآن في محافظة النجف الأشرف، هل هذا صحيح حدثنا؟
– لم أكن رادوداً، بل كنت أقرأ القرآن الكريم حين كنت ساكناً في محافظة النجف الأشرف، وبعدها انتقلت الى بغداد والتقيت بعدد من الأصدقاء المقربين المحبين للفن، فتغيرت البوصلة لدي، وأصبحت أحب الفن وأعشق مجال الغناء.
* ما بين مسقط رأسك في محافظة الديوانية وما بين النجف ماذا اكتسبت من هاتين المحافظتين؟
– بالنسبة لمسقط رأسي في محافظة الديوانية فلم أتذكر منها شيئاً لأني كنت صغيراً، أما محافظة النجف فانتقلت للسكن فيها العام 1954، ولمست الأجواء الدينية والطقوس الحسينية وصوت القرآن والأجواء الروحانية، هذا ما لمسته في النجف الأشرف آن ذاك.
* هل صحيح إنك رُفضت من قبل لجنة الفحص لأكثر من مرة حين اختبارك للغناء؟
– هذا صحيح، رُفضت من قبل لجنة الفحص المخصصة لاختبار الغناء ثلاث مرات!، كون اللجنة كانت تريد لوناً غنائياً جديداً، وأنا غنيت أغاني ذات لون حزين من ألحاني، ولم أدَّع أنها من ألحاني بل عنونتها باسم أحد الملحنين وأعجبوا بها، إلا أن اللجنة وصفوا صوتي بـ (الحسيني) بسبب حنينه وشجنه المتدفق، بعدها سجل لي الملحن الراحل محمد جواد أموري الكثير من الأغاني.
* غنيت الكثير من الألوان الغنائية، هل هناك لون غنائي لم تغنه حتى الآن؟
– غنيت معظم الألوان الغنائية العراقية، إلا اللون الكردي فلم أغنه بعد بسبب صعوبة اللغة الكردية، وأنا أكثر فنان عراقي ممن غنى اللون البغدادي بطريقة عصرية خاصة تختلف عن اللون البغدادي المغنى في حقبة الستينيات.
* جيلكم يعدّ الجيل الذهبي للأغنية العراقية الذي أثرى الساحة الفنية بكل ما تمتلكه الذائقة من رقي وإحساس ورصانة، هل جيلكم ما زال يمتلك السطوة والتأثير الفني حتى اليوم في ظل انتشار الغث من الأغاني؟
– أنا أعتقد أن جيلنا ما زال مؤثراً ويمتلك السطوة الفنية على الرغم من انتشار الأغاني ذات الإيقاع الخفيف، وأعتقد أيضاً أن هناك صحوة في المجتمع فيما يخص الأغنية الحديثة، وبكل الأحوال الجمهور هو الفيصل الذي يميز بين الغث والسمين، لذلك الجمهور هو من أعادنا الى الغناء خلال السنوات الأخيرة الماضية حيث كان لم يسأل أحد عنا، وبالتالي كل فنان له لونه وجمهوره ومحبيه.
* هل هناك أغانٍ كانت تمثلك شخصياً، أي مرتبطة بحدث معين بك؟
– كلا، كل أغنياتي لا تمثلني شخصياً، وليس لها صلة بأي قصة أو حدث معين مرتبط بي.
* أغنية (يا حريمة) للفنان حسين نعمة وأغنية (مرة ومرة) للفنان الراحل رياض أحمد، كانتا لك بالأساس، فما قصة هاتين الأغنيتين؟
– هذا صحيح، أغنية (يا حريمة) كانت لي بالأساس قدمها لي الملحن الراحل محمد جواد أموري، وكنت حينها لم أصبح مطرباً بعد فقلت له: حينما أصبح مطرباً أغنيها، وبعد ذلك غناها الفنان حسين نعمة، أما أغنية (مرة ومرة) فهي أيضاً كانت لي، لكنني رفضتها كونها ليست من لوني الغنائي، ولا أستطيع غناءها، لذلك قلت للملحن جعفر الخفاف أعطي الأغنية للفنان رياض أحمد، وفعلاً تم ذلك.
* بعد هذه المسيرة الطويلة في مجال الغناء، ما الذي منحك إياه الفن، وبالمقابل ماذا أخذ منك؟
– الفن منحني محبة الناس الكبيرة التي أراها بوجههم حين أصادفهم في الشارع أو في أي مكان، أما من الناحية المادية فلم آخذ من الفن إلا الشيء اليسير، الفن لم يجعلني مليونيراً إلا أنني راضٍ بما لدي، ولا أطلب من أحد اطلاقاً، ولست من الذين يشكون العوز.
* يقال إن الفنان حميد منصور يقضي أغلب وقته في البيت، هل تزعجك الأماكن الصاخبة؟
– هذا صحيح، أنا بيتوتي أقضي أغلب وقتي في البيت، لاسيما بعد أن فقدت الكثير من أصدقائي القدامى المقربين الى قلبي وكان آخرهم الفنان الراحل ياس خضر.
* برأيك هل الجيل الحالي يستمع لأغنياتك، بمعنى هل الجيل الجديد يستهويه لونكم الغنائي؟
– ليس لدي إحصائية أو معلومات دقيقة بخصوص سؤالك، لكن ما الذي يجعل الجيل الجديد الحالي يغني الكثير من أغنياتنا في حفلاتهم ومناسباتهم على حد علمي إلا وكان هناك سطوة وتأثير لوننا الغنائي في الجيل الحالي أو أن أغنياتنا مطلوبة من قبل الناس.