د . صباح ايليا القس
الدولة العباسية دولة كبيرة لها اقاليم كثيرة , ساعد على توسعها وجود خلفاء اقوياء ابتداء بابي العباس السفاح وانتهاء بالمستعصم بالله .
ووجود الجواري ( الاماء الخادمات ) ليس بالجديد على المجتمع العربي الذي كان يعرف السبايا ولكن الجديد في الامر ان جواري الامويين والعباسيين كنّ من جنسيات غير عربية على الاغلب لا سيما بعد توسع الفتوحات التي وصلت الى الهند والصين والى روسيا وبلاد الكرج ..
بمساعدة الفرس الذين ساعدوا في اقامة الدولة العباسية دخلت الى خدمة بيوت المسؤولين اعداد من النساء والرجال للحماية والخدمة بينما فضل الخليفة المعتصم العنصر التركي ..
ساعد ظهور طبقة الاغنياء والمسؤولين على شيوع رغبة اقتناء الجواري ولاحقا المباهاة بالعدد والنوع والخدمة ما تطلب بناء اماكن خاصة تعزل النساء عن الرجال وتحديد الواجبات ونوعية الخدمة بحسب رغبة الرأس الاكبر فكان لا بد له من تعيين رئيسة تكون مهمتها التدريب والرعاية وتحقيق الرغبات وكانت تسمى ( قهرمانه ) .
كانت هناك اماكن لبيع وشراء الجواري اللواتي تكون الحروب والغزوات المصدر الاول لحضورهن ويسمى ذلك السوق ( سوق النخاسة ) وتكون الاسعار بحسب مواصفات الجمال والعمر والمهن ودرجة المعرفة والعلم بالغناء والموسيقى ولاحقا اتقان الشعر ومساجلة الشعراء امثال عِنان جارية الناطفي التي سيكون حديثنا عنها في هذا المقال ولاحقا من سار على دربها من الجواري .
تقول الروايات عنها انهاء صفراء من مولدات اليمامة وهناك نشأت اشتراها الناطفي ( بائع الناطف وهو نوع من الحلوى ) ..
وكان الناطفي صاحب ديوان يضيّف فيه الناس ويدعو الشعراء خاصة لاجراء مساجلة مع هذه الجارية مع العلم انها كانت سريعة البديهة وتعرف كيف يكون الرد المناسب في الوقت المناسب ..
الناطفي لم يكن متسامحا معها وهكذا يفعل الاعيان مع عبيدهم فهم لا يتورعون من ضربهم بقسوة اذا لم يطيعوا الامر .
تقول الرواية : قال الشاعر مروان بن أبي حفصة : لقيني الناطفي فدعاني لمساجلة عِنان فانطلقت معه فدخل اليها قبلي وقال لها : قد جئتك بأشعر الناس , مروان بن ابي حفصة . وكانت عليلة فقالت : إني عن مروان لفي شغل ( بمعنى اعتذرت عن اللقاء ) فأهوى الناطفي عليها بسوط فضربها به وقال للشاعر ادخل , فدخل وهي تبكي والدموع تنحدر من عينيها فقال :
بكــــت عِنـــان فجــــرى دمعُهــــــا كالــــدُّر اذ يسبـــــــق مـــــــن خيطـــــه
فقالت مسرعة :
فليــــــت مـــن يضربهـــــا ظالمـــــــا تيبــــــس يمنـــــــاه عـــــــلى سوطــــه
وفي جوابها الرد القاسي على الناطفي والدعوة عليه بأن تتيبس يده على سوطه .. ( والسوط هو الكرباج الذي تضرب به الحمير ) .
زار ابن عمار وابو حفص الشطرنجي الخليفة الرشيد وكان منتشيا فقال لهما تسابقا الى بيت من الشعر او الى أبيات فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم .
فقال الشطرنجي وهو يعلم تعلق الرشيد بعنان الجارية :
مــن لقلـــب متيّـــــمٍ بــــكَ صــــبٌّ مــــا لـــــه همــــة ســـــوى ذكــــراكِ
كلمـــا دارت الزجاجـــة زادتــــــه إشتياقــــــــا وحُرقــــــــة فبكـــــــــاكِ
فقال أحسنت ولك عشرة آلاف درهم ولما زالت الهيبة عني فقلت :
لــــم ينــــلك الرجـــــاء أن تحضرينــــــي وتجافــــــــت امنيتـــي عـــــن ســـــــواك
فقال الرشيد أحسنت ولك عشرون الف درهم .
وصمت قليلا كأنما يستذكر حبيبا فقال : انا والله أشعر منكما ثم قال :
قــــد تمنيــــــتُ أن يغشينـــــــي الله نعاســــــاً لـــــعلّ عينــــيّ تـــــراكِ
والبيت هذا من إبداع الخليفة الرشيد وهو يعطي صورة واضحة عن مدى الحب الذي يختزنه قلبه نحو عنان التي لم يستطع أن يشتريها من الناطفي لكنه نالها بعد وفاة الناطفي وتزوجها واولدها ولدين ماتا صغيرين ثم خرج بها الى خراسان فمات هناك وماتت بعده بمدة يسيرة .