كاردينال المشرق… أغناطيوس جبرائيل الأول تبّوني وسيرة الصليب والصبر

محمد علي محيي الدين

في أزقة الموصل القديمة، حيث تختلط أجراس الكنائس بنداءات الأسواق ورائحة التاريخ العتيق، وُلد الطفل جبرائيل تبّوني عام 1879 في أسرة سريانية عريقة امتدت جذورها في أرض الرافدين قروناً طويلة. كانت عائلته من البيوتات الموصلية المعروفة بالعلم والتقوى والوجاهة، وقد ارتبط اسمها بالكنيسة السريانية الكاثوليكية منذ القرن الثامن عشر، حين انضمت إلى الكثلكة على يد مبشرين ورجال دين حملوا إلى المدينة روحاً جديدة من الانفتاح الروحي والثقافي. وفي هذا المناخ المشبع بالإيمان واللغة والتراث، تفتحت شخصية جبرائيل الفتى، فبدت عليه منذ صباه ملامح الوقار والنبوغ والزهد.
تلقى علومه الأولى في مدرسة الطاهرة للسريان الكاثوليك بالموصل، ثم انتقل إلى إكليريكية مار يوحنا الحبيب التابعة للآباء الدومنيكان، وهناك لمع نجمه بين زملائه بما امتاز به من ذكاء حاد، وصفاء نفس، وانضباط روحي جعل أساتذته يرون فيه مشروع قائد كنسي كبير. وما إن سيم كاهناً سنة 1903 حتى انصرف إلى التعليم والتربية، فجمع بين المعرفة والرسالة، وأدار مدرسة الطاهرة بحكمة وهدوء، مؤمناً بأن بناء الإنسان أقدس من بناء الحجر، وأن نهضة الكنيسة تبدأ من نهضة العقل والضمير.
لكن القدر لم يرد له أن يبقى في حدود التعليم والرهبنة، بل هيأه لمرحلة أكثر قسوة واتساعاً. ففي مطلع القرن العشرين، كانت المنطقة تمور بالاضطرابات السياسية والتوترات الطائفية، ومع ذلك مضى الكاهن الشاب في خدمته بثبات، حتى اختاره القاصد الرسولي في بلاد ما بين النهرين سكرتيراً ومستشاراً له. وهناك بدأت شخصيته القيادية تتبلور بصورة أوضح، إذ عُرف بسعة صدره وقدرته على التوفيق بين المتخاصمين، فدخل قلوب الناس سريعاً، وصار اسمه مقترناً بالحكمة والرحمة.
وفي عام 1913 انتُخب أسقفاً على أبرشية ماردين، فاتخذ اسم جبرائيل، وبدأ مرحلة جديدة من حياته الروحية والوطنية. كانت ماردين آنذاك مدينة تختزن تنوعاً دينياً وعرقياً واسعاً، لكنها كانت أيضاً على شفير كارثة كبرى مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانفجار موجات الاضطهاد التي اجتاحت المسيحيين في الأناضول وبلاد الجزيرة. وفي تلك السنوات السوداء وقف المطران جبرائيل تبّوني موقفاً نادراً في الشجاعة الإنسانية؛ لم يكن رجل كنيسة يكتفي بالصلاة والوعظ، بل أباً حقيقياً لشعب منكوب. فتح أبواب الكنائس والأديرة للفقراء والهاربين، وأنشأ ملاجئ ومستشفيات للمشردين، وآوى الأرمن والسريان الذين كانوا يساقون إلى المجازر، وأنقذ الأطفال والنساء من الموت والجوع، مخاطراً بحياته في كل لحظة.
وسط تلك الفوضى، كان الجواسيس والوشاة يحيكون المكائد ضده، لأنه صار رمزاً معنوياً للمسيحيين ومصدر عزاء لهم. وقد تعرض لمؤامرة خطيرة لفقت له فيها تهم الاتصال بالأعداء والتجسس لصالح الإنكليز، وهي تهمة كانت كفيلة بإرساله إلى حبل المشنقة. اقتيد إلى السجون، وتعرض للإذلال والتحقيق والتهديد، وأمضى أشهراً في زنازين قذرة بين المرض والخوف والترقب، فيما كان جلادوه يحاولون انتزاع اعترافات ملفقة منه ومن الأبرياء المحيطين به. ومع ذلك بقي ثابتاً، لا يتراجع ولا يساوم، حتى أصبح في نظر كثيرين صورة حية للأسقف الشهيد الذي يحمل صليبه بصمت وكبرياء.

ولم تكن محنته مجرد قصة رجل دين مضطهد، بل كانت مرآة لعصر كامل من الانهيارات والمجازر والاقتلاع. فقد شهد بعينيه انهيار مدن كاملة، وتهجير عائلات، واختفاء قرى مسيحية من الوجود، لكنه ظل مؤمناً بأن الرسالة الحقيقية للكنيسة لا تُقاس بعدد الكنائس بل بقدرتها على حماية الإنسان والدفاع عن كرامته.
وبعد انتهاء تلك العواصف، عاد إلى ماردين وسط استقبال شعبي مؤثر، وكأن المدينة كانت تستعيد جزءاً من روحها بعودته. ثم ما لبثت الكنيسة السريانية الكاثوليكية أن اختارته بطريركاً على أنطاكية عام 1929، ليبدأ عهد طويل من الإصلاح والبناء الروحي والعلمي. وفي زمنه توسعت المدارس والإكليريكيات، وأعيد تنظيم الحياة الرهبانية، وشُيدت الأديرة والكنائس، وأسّس رهبنة الراهبات الأفراميات، واهتم بتكوين الكهنة والراهبات على أسس علمية وروحية رصينة.
ولم يبقَ حضوره محصوراً في الشرق، بل امتد إلى الكنيسة الجامعة كلها. فقد منحه البابا بيوس الحادي عشر رتبة كاردينال سنة 1935، ليصبح أول كاردينال من العراق والشرق الأوسط، وهو حدث استثنائي آنذاك حمل دلالات كبيرة على المكانة التي بلغها هذا الرجل في العالم الكاثوليكي. وقد شارك في المجامع الفاتيكانية الكبرى، وأسهم في مناقشات لاهوتية وتشريعية مهمة، وكان صوته مسموعاً في القضايا الشرقية، مدافعاً عن حقوق الكنائس المشرقية وهويتها وتراثها.
ورغم ما أحاط به من ألقاب وهيبة ومكانة دولية، بقي محتفظاً بروح الناسك المتواضع.
لم تغيّره السلطة الكنسية ولا الأوسمة التي علقتها الدول على صدره، بل ظل قريباً من الفقراء والبسطاء، يحمل ملامح الرهبان الأوائل الذين يرون المجد الحقيقي في الخدمة لا في المظاهر. وكان رجال السياسة في لبنان وسوريا والعراق يقصدونه طلباً للمشورة، لما عُرف عنه من حكمة وبعد نظر واتزان.
وفي التاسع والعشرين من كانون الثاني سنة 1968، انطفأت حياة هذا الشيخ الوقور إثر أزمة قلبية، بعد نحو أربعة عقود قضاها على رأس الكنيسة السريانية الكاثوليكية. رحل تاركاً وراءه سيرة مثقلة بالألم والنضال والإنجاز، وسجلاً نادراً لرجل واجه المذابح والسجون والمؤامرات، ثم خرج منها أكثر إشراقاً وصفاءً. وحين شيّعته الجماهير في بيروت، لم تكن تودع مجرد بطريرك أو كاردينال، بل كانت تودع صفحة كاملة من تاريخ المشرق المسيحي، ورجلاً جسّد في حياته معنى الإيمان حين يتحول إلى شجاعة، ومعنى الزعامة حين تصبح رحمة وخدمة وتضحية.

قد يعجبك ايضا