ومن الشّوقِ ما قتل/2

 

رامز محيي الدين علي

 

انقضى ذلكَ العامُ الجميل.. ومضَت سنواتٌ بعد أن تركتُ تلك المدرسةَ إلى مدرسةٍ أُخرى.. وذاتَ يومٍ خطرَت خفّةُ روحِ البِنداري على بالي حوالي السّاعةِ الثّامنةِ صباحاً، وتذكّرتُ جمالَ حديثِه فقرّرتُ الاتّصالَ به بعد أن استبدَّ بي الشّوقُ إليه، لكنّ الحظَّ لم يُحالفْني؛ لأنّ رقمَه قد غابَ عن ذاكرةِ هاتفي، فاتّصلْتُ بصديقي وزميلي الأستاذِ بشير مدرّسِ التّربيةِ الإسلاميّة في تلك المدرسةِ:

السّلامُ عليكم أخي بشير.. معكَ فلان!

وعليكمُ السّلام.. أين أنتَ؟ لم نسمعْ صوتَك منذ زمنٍ بعيد!

إنّني مشتاقٌ إليكم.. ولكنْ كما تعلمُ مشاغلُ الحياةِ وهمومُها كثيرةٌ!

وبعدَ الاطمئنانِ عليه وعلى أحوالِه المعيشيّةِ والأسريّة..

هل يمكنُني الحديثُ مع صديقِنا الأستاذِ البِنداري؟ لا أدري لماذا تلحُّ عليَّ نفسي في الحديثِ إليه.. وأخبِرْه بأنّني سأزوِّجُه فتاةً آسيويّةً كان يحِنُّ إلى مواصفاتِها في كلِّ أحاديثِه وأحلامِه.. (قلتُ ذلك مازحاً حتى يتذكّرَ أيّامَنا الخوالي)!

لحظةً من فضلِك! إنّني ذاهبٌ إلى غرفتِه كي تكلّمَه فابقَ معي على الخطِّ.. وبعد قليلٍ قطعَ الأستاذُ بشير المكالمةَ.. فرحتُ أتّصلُ وأتّصل، فلا يجيبُ.. فقلتُ في نفسي: ربّما انشغلَ بحصّةٍ أو اجتماعٍ طارئ.

وفي المساء أعدْتُ الاتّصالَ ببشير:

أين أنتَ يا صديقي، لماذا قطعتَ الاتّصالَ ولم تعُدْ تردّ.. ما الّذي حدثَ؟

لا أدري ماذا أقولُ.. ولكنْ هل دعوتَ على الرّجلِ؟ لقد وصلتُ إلى غرفتِه في اللّحظةِ ذاتِها فوجدتُه جالساً على كرسيّه، وقد ناديتُه مراراً، لكنّه فارقَ الحياةَ ولم ينبسْ ببنتِ شفةٍ!

إنّكَ تمزحُ كعادتِك أو ربّما هو من قالَ ذلك كعادتِه في التَّنكيتِ!

 

لا واللهِ يا صديقي، لقد وجدتُه جثَّةً هامدةً على كرسيّه.. وبعد أن جاءَ الإسعافُ وحاولُوا إنقاذَه، أيقنُوا أنّه قد ودَّعَ الدُّنيا دونَ مقدّماتٍ!

 

كانتِ الصّدمةُ مفاجئةً لي، وكان وقعُها شديداً عليَّ.. ولم أتمالكْ نفسي فانهمرَت دموعي حزناً وألماً وحسرة.. رحمكَ اللهُ أيُّها الأخُ والصّديقُ البِنداري.. هذه حالُ الدّنيا لا تدري كلُّ نفسٍ متى وأين تموتُ!

 

وكلّما رحتُ أقصُّ ما حدثَ معي لبعضِ الزُّملاء، أخذَتهم الدَّهشةُ وأصابتهم الهواجسُ.. فراح كلُّ واحدٍ يُنكِرُ معرفتي به.. فيقولُ: أرجوك لا تتَّصِلْ بي.. لقد غيّرتُ رقمَ هاتفي.. ولن أردَّ على شخصٍ تطلبُني للحديثِ معك.. أرجوكَ دعْنا نعيشُ بقيّةَ أيّامِنا.. فتعلُو الضّحِكاتُ.. فأطمئِنُهم بأن لا خوفَ عليهم إلّا بعد فراقٍ وشوقٍ إليهم!

 

فحذارِ أيُّها الأصدقاءُ من حبّي لكم ومن شوقي إليكم.. فمِنَ الحبِّ ما أهلَكَ وقتل، ومن الشّوقِ ما غيّبَ كالنَّجمِ أفَل!

 

كم هي المواقفُ الصّعبةُ في حياتِنا! وكم هي المآسي تُحيطُ بنا، لا ندركُ قيمةَ الإنسانِ إلّا حينَما نتوقُ إلى الحديثِ إليه.. وحينذاكَ قد يخطِفُنا القدرُ، أو قد تخطفُ يدُ المنون مَن نُحبُّهم ونشتاقُ إليهم، فلا نعرفُ قدْرَهم الحقيقيَّ إلّا وقتَ الرّحيل!

وموقفٌ آخرُ لن تنساهُ ذاكرتي ما حيِيتُ حينَما قرَّرتُ زيارةَ جدّتي في مدينةِ حمص إثرَ غيابِ أسبوعينِ عنها بعدَ أن ودَّعَها وودَّعَنا جدّي -رحمهُ اللهُ- إلى جوارِ ربّه.. كانت جدّتي -رحمَها اللهُ- أمّيَ الثّانيةَ الّتي عشتُ في غرفةٍ مجاورةٍ لغرفتِها في دار جدّي طيلةَ أربعِ سنواتٍ إبّانَ دراستي الجامعيّةِ.. كانت تُعدُّ لنا الطّعامَ، وتغسلُ ملابسَنا، وكنتُ أتولّى تنظيفَ الدّارِ من أوراقِ شجرة التّوتِ وترتيبَ غرفتي وشراءَ حاجاتِنا من السّوق..

 

وصلتُ إلى دارِ جدّتي صباحاً.. كان صوتُ الشّيخِ عبدِ الباسطِ يصدحُ بنفحاتِ نشوةِ الإيمانِ في بيتِ عمّي أبي عدنان المقابلِ للمنزلِ الّذي عشتُ فيه سنينَ الدّراسة، فلم أبالِ بالأمر، فكان ما يهمُّني هو أن أرى جدّتي كي أقبِّلَ يديها الطّاهرتينِ، لتَطبعَ آثارَ قبلاتِها الحارّةِ على وجنَتيَّ.. قرعتُ جرسَ البابِ الخارجيّ فلم ألقَ ردّاً.. وأعدتُ المحاولةَ مرّاتٍ، ولكنْ لا صوتَ ولا إجابةَ، فقلتُ ربّما كانت منشغلةً.. فجئتُ إلى نافذتِها المطلّةِ على الشّارع وطرقتُها طرقاتٍ عديدةً وأنا أنادي: جدّتي.. جدّتي.. أين أنتِ؟

 

رآني بعضُ الأقاربِ أُنادي وأُنادي، فأدركُوا أنّني لم أعلمْ بوفاةِ جدّتي.. فنادَوني ودموعُهم تنهمرُ كحبّاتِ المطر: جدَّتُك هاهُنا ترقدُ في بيتِ عمّك.. لقد فارقتِ الحياةِ، تعالَ وودّعْها.. هذهِ حالُ الدُّنيا.. إنّهم السابقُون وإنّنا اللّاحقُون!

 

لا.. لا.. لا أصدّقُ! كيف ومتى؟ قبلَ أسبوعينِ ودّعْنا جدّي.. واليومَ نودّعُ جدّتي.. يا اللهُ رحمتَك ولطفَك.. فكانتِ الصّدمةُ وكانتِ الفاجِعةُ.. لم أستطعْ أن أودّعَ الشّجرةَ العظيمةَ حيّةً، وقد تفيّأتِ في ظلالِها سنواتٍ وهي تحثُّني على الدّراسةِ وتسهرُ على سلامَتي، وتتفقدُّني في قيلُولتي وفي سُباتي كلّما غابتْ أنوارُ غرفتي عن ناظرَيها!

 

الحياةُ جميلةٌ لكنّها مرّةٌ، ولو كانتْ شهداً من العسل..

الحياةُ مدرسةٌ، لكنّها قاسيةُ التّعليم..

الحياةُ أمٌّ لأبنائِها، لكنّها لا تعرفُ الرّحمةَ حينَما تغضَب..

الحياةُ كريمةٌ تمدُّنا بالعطاء، لكنّنا لا نعلمُ متى تكشّرُ عن أنيابِها فتسلبُنا لَّ ما نملك..

الحياةُ رحلةٌ بين السّعادةِ والشّقاء، لكنّنا نجهلُ متى تمنحُنا السّعادة ومتى تسحقُنا بالبؤسِ والشّقاء..

الحياةُ فسحةٌ تمتدُّ بين الأملِ واليأس، ولكنّا لا نعرفُ متى تقرُّ عيونُنا بالأملِ، ومتى ينطفئُ نورُها في ظلامِ اليأسِ والحِرمان..

الحياةُ رحىً تدورُ بنا وتدور، ولكنّنا لا ندري متى تتوقّفُ عن عركِنا لتُلقي بنا في الأثْفال..

الحياةُ نهرٌ لا ندركُ بدايتَه ولا نعلمُ نهايتَه، ونجهلُ متى يصفُو ومتى يَكدُر..

الحياةُ بحرٌ متلاطمُ الأطرافِ والأبعاد، وكلٌّ منّا يظنُّ أنّه القرشُ المدلّلُ بين طوابيرِ الأسماك..

الحياةُ سفينةٌ تتلاعبُ بوجودِنا، ويظنُّ كلٌّ منّا أنّه الرُّبّانُ الأمهرُ في قيادِها إلى برِّ الأمان..

الحياةُ حبٌّ وكرهٌ، لا نعرفُ متى تُمطرُنا بالحبِّ ومتى تقصفُنا برعودِ الكراهية..

الحياةُ عيشٌ وموتٌ، بعضُنا يَفنى بجسدِه، لكنّ ذكراهُ تعيشُ أبدَ الدّهر، وبعضُنا يَفنى ويموتُ وما زالَ حيّاً لا يدري به إلّا ظلامُ الصّمتِ والنّسيان..

الحياةُ ليلٌ ونهارٌ، لا ندري متى ننامُ ولا نعلمُ متى نستيقِظ..

الحياةُ نورٌ وظلامٌ.. تارة نلهُو بأشعّتِها وتارةً تلهُو بنا في ظلامِها.. وليس في سوادِنا الأعظمِ آدميٌّ يعيشُ النُّورَ نوراً، وليس فينا إلّا القليلُ ممّن يرى في الظّلامِ نورا..

 

كلُّنا بشرٌ لسْنا إلّا ريشةً في مهبِّ الرّيح تتلاعبُ بنا الأزمانُ والأقدارُ.. فطُوبى لمن عرفَ العواقبَ وأدرك النّهايةَ والمصير، فعاشَ عبداً فقيراً قبل نهايةِ الرّحلةِ والمسِير!

 

قد يعجبك ايضا