رامز محيي الدين علي
الحياةُ مفعمةٌ بالمفاجآت بشتّى ألوانِها ومختلفِ مذاقاتِها، منها ما هو لذيذٌ كشهدِ العسل، ومنها ما هو مرٌّ كطعمِ الحنظل.. منها ما هو من بناتِ الخيالِ والأحلام، ومنها ما هو وليدُ اللَّحظة لم يخطرْ ذاتَ ليلةٍ ببالِ الأنام.. منها ما هو سريعٌ خاطفٌ ليس لأثرِه متَّسعٌ من الإحساسِ باللّذّة أو الألم، ومنها ما هو ثقيلٌ ثِقلَ الجبال على النَّفس يُذيقُك طعمَ المرارة وأنت تبتسمُ ولا تملكُ من أمرِك شهقةَ الحرّيّةِ في مقاومةِ النِّقم!
كثيراً ما نهتمُّ بالأشياء التّافهةِ في حياتِنا ونُقيمُ الدُّنيا ولا نُقعِدُها حينما نبحثُ عن شيءٍ لا معنى لوجودِه قي قاموسِ المشاعرِ الحقيقيَّة النَّبيلة، ونُصابُ بالهمِّ والغمّ؛ لأنّنا لم نعثرْ عليه، أو لم نحقِّقْه في اللَّحظةِ الحاسمة، بينما ثمّةَ جواهرُ بين أيدينا نُبعثرُها تحت أقدامِنا كما نبعثرُ أوراقَ الخريف بين خُطانا دون أن نُباليَ بتلك الأوراق، وفي الأمسِ كنّا نموتُ شوقاً لرؤيتِها وهي تتفتَّحُ براعمَ، ونُجيلُ الطَّرفَ إليها بين فينةٍ وأخرى متى تتفتَّحُ أوراقُها وتزهرُ تُويجاتُها.. وهكذا الحياةُ دروسٌ وعِبر علينا ألّا نَغفلَ عن حقائقِها هُنيهةً من هنيهاتِ العمر!
ثمّةَ أصدقاءُ وخلّانٌ مثلَ أوراقِ الأشجار ومثلَ أزهارِ الرّبيع لا يُمكنُ للحياة أن تحلوَ دون أن نسعدَ بشهدِ كلماتِهم وبلسمِ أحاديثِهم، وثمّةَ أناسٌ طيّبونَ تتدفّقُ من أفواهِهم كلماتُ المحبَّةِ الصّافية مثلَما يتدفَّقُ ماءُ زمزمَ لريِّ الحجيج، لكنّنا لا نُدركُ قيمتَهم إلّا بعد فواتِ الأوان!
كم الحياةُ جميلةٌ لو أنّنا رويْنا غليلَنا حينَما تتدفّقُ ينابيعُ الحياة من بينِ أصابعِنا، وتفيضُ من بينِ شقوقِ نفوسِنا!
كم الحياةُ رائعةٌ لو أنّنا ملأْنا أنفاسَنا بأنغامِ الجمالِ والسَّعادةِ والمحبّة، والنّعمُ ترفرفُ بأجنحتِها فوق رؤوسِنا وبين راحاتِ أيديْنا!
كم الحياةُ بهيَّةٌ بطلعتِها حينَما تتأجَّجُ المشاعرُ فنهفُو إليها كما تهفُو النّحلةُ لأزهارِ الحقولِ فنغتنِمُ اللّقاءَ عشقاً ومحبّة لنرويَ النّفوسَ ونُغذّيَ الأوصالَ ونحييَ الأرواح!
كم الحياةُ حبيبةٌ وعشيقةٌ حينما ننظرُ إليها بعينِ الرّضا والجمالِ، ولو كانت الهمومُ سحُباً تُمطرُنا بقطراتِ اليأسِ والبؤسِ والشّقاء!
كم الحياةُ مدْرسةٌ تُلقّنُنا دروساً وحِكماً وعِبراً في كلِّ هنيهةٍ من هنيهاتِها وفي كلِّ سويعةٍ من سويعاتِها دون أن نصغيَ إليها أو نقلِّبَ صفحةً من صفحاتِها، وترانا صرعَى وسَكارى أمامَ قشورِها وترَّهاتِها!
كم الحياةُ أمٌّ رؤومٌ تحنُو علينا في أوقاتِ الشّدّة فتُغطّينا حينَما نَعرى، ولكنّنا نرفسُ حنانَها بأرجلِنا ونحن نرفلُ بأرديةِ الكِبْر والعنجهيَّةِ والقوّةِ والغطرسة!
كم الحياةُ لذيذةٌ وهي تمدُّنا بالهواءِ والغذاء والدّواءِ، لكنَّ أبصارَنا تَعْمى، وأذواقَنا تتبلَّدُ، وأفئدتَنا تتحجَّرُ، ومشاعرَنا تتصحَّرُ، فلا نعرفُ قيمةَ لذّاتِها إلّا بعد أن تموتَ الحياةُ في أعماقِ ذواتِنا الهالكة!
كم.. وكم.. وكم؟! أسئلةٌ لا بدّ لكلِّ عاقلِ منّا أن يطرحَها حينَما نبحثُ عن شيءٍ افتقدَناه في اللّحظةِ الحاسمة الحرجةِ، وقبلَ أيّامٍ كنّا لا نُبالي به، وكأنّه عرَضٌ تافهٌ لا يَعنيْنا في شيء.. قد يكونُ هذا الشّيءُ كِسرةَ خبزٍ تناثرَت من رغيفٍ يابس، أو قطرةَ ماءٍ سقطَت من عينٍ مترعةٍ بالأسى أو حدقةٍ أضْناها الشّقاءُ، أو فِلساً أعمى فقَدْنا الإحساسَ بحرارتِه يومَ الطّمأنينةِ بالدّفء، أو زهرةً تائهةً حطّتْ رحالَها فوق أرديتِنا، أو شعاعَ نورٍ باهتٍ من ضوءِ القمر وقد أصبحَ مَحاقاً، أو شمعةً محترقةً ما زالت تنتظرُ أنفاسَها الأخيرةَ، أو فنجانَ قهوةٍ مازالتْ فيه رشفةٌ قد تكتبُ لنا صفحةً جديدةً في حياتِنا أو تَطوي صفحاتٍ مشرقةً من تاريخِنا، أو إنساناً عظيماً سكنَ بين جوارحِنا ولكنّنا نسِيناهُ أو تناسَيْناه بين ركامِ الهمومِ والنّسيان، ولم يخطرْ ببالِنا إلّا لحظةَ التَّخاطرِ الّتي تُملي علينا تذكُّرَه، ولكنْ بعد أن اختطفَتْه يدُ القدرِ قبلَ أيّامٍ أو لحظةَ تذكُّرِنا له!
وها أنا أحدُ هؤلاء البشرِ تائهٌ في دياجيرِ الحياة أبحثُ عن بصيصِ أملٍ يجعلُني آدميَّاً لا يتذكّرُ جمالَ الأشياء ونبلَ الأشخاصِ وروعةَ اللّحظاتِ اللّذيذة إلّا بعد أن أتتْ يدُ المنونِ وقبضةُ النّسيانِ عليها، وهيهاتَ إذ ذاكَ أن يُعيدَ التَّذكُّرُ ما كان جميلاً، أو يحييَ التَّخاطرُ ما طوتْه الحياةُ!
وليس ما أرويهِ في هذا المقالِ من بناتِ خيالِ الشّعراءِ أو شطَطِ أقلامِ الأدباء، وإنّما هي حقائقُ سجّلتْها ذاكِرتي، فلم أستطِعِ البوحَ بها، إلّا حينَما وجدتُ في ذاتي ألماً يحرّكُ مشاعِري وندماً يُهيّجُ ريشتي للتَّعبير عن ذكرياتٍ باتت تقضُّ مضجَعي وتؤرّقُ فِكري وأحاسيسي!
في مدرسةِ الرّازي إحدى مدارسِ دبيّ أمضيْتُ عاماً دراسيّاً حافلاً بالذّكرياتِ حلوِها ومرِّها، تعرّفْتُ زميلينِ وأخوينِ وسيمينِ كبيرينِ في قسمِ اللّغة العربيّة، أوّلُهما البِنْداري والآخرُ حَمْدي من أرضِ الكنانةِ، ألِفتُهما في وسامتِهما وطيبِ حديثِهما وجمالِ نكتَتِهما، كان البِنداري يملكُ سيّارةَ مرسيدس قديمةً ألمانيّةَ الصُّنع، وحمدي يمتَطي سيّارةَ تويوتا باليةً يابانيّةَ المصْدر..
البِنداري: أنا لا أستطيعُ أن أفهمَ كيف أُنفِقُ كلَّ شهرٍ جزءاً لا بأسَ به من مالي على سيّارتي في إصلاحِ أعطالِها وعيوبِها، بينَما أنت تُصلِحُ سيّارتَك مجّاناً، بل وتربحُ في كثيرٍ من الأحيان ولا تخسرُ!
حمدي: الحياةُ خبرةٌ ومَهارة!
البِنداري: وهل تصلحُها بنفسِك حتّى توفّرَ وتربح!
حمدي: لا يا صديقي! المسألةُ بسيطةٌ جدّاً.. كلّما شعرتُ بأنَّ سيّارتي اقتربَت من إطلاقِ أنفاسِها الأخيرةِ ارتكبْتُ حادثاً مقصوداً يجعلُني بريئاً ويكون الآخرُ هو المتسبِّبَ، فأتَّفِقُ مع خصْمي على مبلغٍ ماليّ جيّد يدفعُه لي، فأُصلحُ بنصفِه الضَّررَ، وأوفّرُ النّصفَ الآخرَ لجَيبي.. وهكذا كما ترى سيّارتي تزداد ألقاً ونقُودي تتّقدُ بريقاً.. والماهرُ في الحياة هو النّاجحُ والسّعيد!
البِنداري: فعلاً إنّكَ لصٌّ حاذق! ولكنْ لا أدري كيف نجحتَ في توظيفِ وسيلتِكَ التّعليميّةِ الّتي غرسْتَ فيها أشجاراً وأعشاباً بلاستيكيّةً ووضعْتَ فيها مجسَّماتِ أبقارٍ وأغنامٍ، ومازلتَ تستخدمُها منذُ سنينَ وسنين في جميعِ الدّروسِ مع اختلافِ المواضيع.. فنِلتَ رضا الموجّهِ بتفاعلِ الطّلّابِ معكَ، بينَما أخفقَ زميلُكَ الأستاذُ حسَن في توظيفِ وسيلتِك نفسِها ولم تنقصْ مها شجرةٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ لنيلِ رضا الموجّهِ، فخرج من حصّتِه ممتعِضاً من المعلّم، ولم يتفاعلِ الطّلّابُ معه؟!
حمدي: إنّها مجرّدُ وسيلةٍ ضاع الموجّهُ بين أهدافِها؛ لأنّني جعلتُه يرقصُ مع الطّلّابِ بطريقةِ الإلقاءِ وجمالِ الحديثِ، فنسيَ الوسيلةَ حينَما غرقَ في أحلامِ اليقظةِ؛ وكأنّني شهرزادُ وفي يدها المغزلُ، فهامَ شهريار في ثنايا الحكاياتِ ونسيَ خيوطَ المغزل.. والحياةُ كما تعلمُ فنٌّ ورقصٌ وغناء وعزفٌ منفردٌ حتّى في حالكاتِ اللّيالي ومهلكاتِ الغوالي!
البِنداري: ليتَني أُجيدُ نفاقَك يوماً مع أنّني أملكُ مهاراتِ الحديثِ والإلقاءِ والتّمثيلِ أكثرَ منكَ.. لكنَّ الدُّنيا مسرحيّةٌ هزليّةٌ يا صديقي حمدي!
وهكذا يدورُ الحوارُ كلَّ يومٍ، نكتةٌ من هُنا وحوارٌ من هناك، وقصّةٌ من الحياةِ وعِبرةٌ من الزّمن تفيضُ بها ألسنةُ البنداري وحمدي وغيرِهما كما لا يَخفى أثري في ذلك..