التآخي – ناهي العامري
يطلق على عنوان الكتاب، من وجهة نظر نقدية، العتبة النصية الأولى، ووفقا لهذه القاعدة، يقع أحيانًا المتلقي في منزلق وهم العنوان، لا بل وهم المتلقي، على الارجح، على إعتبار إن العنوان هو دال على ما يفصح به المتن، من أفكار ورسائل واهداف، وهذا الوهم هو من قادني الى تخيل ما بين دفتّي كتاب الزميلة إبتهال بليبل المعنون (نيكروفيليا بشريط ملون) ما هو سوى إعلانات استهلاكية لحاجات المرأة العصرية، وكل ما يتعلق بالموضة وماكياج التجميل، وكمالياتها واكسسواراتها، واذا كان يحوي على مضامين فكرية، فلا تتعدى النصائح الصحية والأسرية، والخوض في ارتباطاتها الاجتماعية على أكثر تقدير.
هذه النظرة القاصرة تبددت ما ان ابحرت في متن فصل الكتاب الاول، لما واجهته من امواج عاتية لافكار ليست سطحية كما توقعت، بل عميقة جدا، وكلما اجتزت فصل يتعالى الموج، ويزداد صخبها، لكنه صخب لذيذ وممتع لفرادة الافكار وما تحمل من معاني فلسفية لجسد المرأة، وانوثتها.
الابحار في متن (نيكروفيليا بشريط ملون) الفصل الذي اختارته بليبل ليكون عنوان كتابها، هنا تسطع الشمس عموديا، فيذوب الجليد لتتعرى امامي الجبال مكشوفة بكل تضاريسها، لينهار معها كل توقعاتي التي رسمتها معتمدا على تفسيري للعنوان، فالعنوان مخاتل يتوارى وراء سحب المصطلحات غير المتداولة بكثرة، يوحي باي نكروفيليا جابيته أول وهلة، وما ان توقفت عند معناه الاصطلاحي(الانجذاب الجنسي نحو الميت) ادركت ان العنوان كان مخاتلاً وجزء من اللعبة السردية، التي ترفع من درجة متعة متابعة القراءة حين يكتشف القارئ سرها وتتجلى امامه عظمة قيمها وفرادتها.
عالم المرأة في نيكروفيليا بشريط ناعم واسع جدا، فمن خلال فلسفة الانوثة، وكلما يرتبط بها في الوجود الانساني، الظاهر والمخفي، اشعرني انها الحياة بكل ارهاصاتها وملذاتها وجمالها واعرافها وسننها، فكل ما مسموح من جسد المرأة للظهور، وغير المسموح به هو بفعل الاعراف الاجتماعية المتراكمة، والطقوس الدينية المتوارثة، وهي التي حددت مقدار نظرة الرجل لها، وصنعت سلطة الذكورية على مر العهود، الافكار التي طرحتها بليبل في مؤلفها، هي صرخة أو وقفة احتجاجية على قيود النظرات الذكورية، لتنتزع ولو جزء يسير جدا من حريتها المسلوبة، لذا فأن بليبل قد وفقت في جعل عنوانها مخاتلا، ليكون لعبة سردية، مفادها إيهام القارئ لمتابعة نصوصها واستدراجه نحو خوض مغامرة ممتعة ومسلية، وسط بساتين الانوثة من جهة، ومكابدات المرأة
للإفلات من قيود المجتمع وهيمنة سلطة الذكورية.