أربيل – التآخي
يواجه الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، تهما جنائية بشأن تعامله مع وثائق سرية بعد مغادرته البيت الأبيض، بيد أنه يجادل بشكل حثيث بأنه طالما لا يزال مرشحا للانتخابات الرئاسية القادمة، فيجب أن لا يقدم للمحاكمة.
وتكشف وثائق فريق المحامين أن الرئيس الجمهوري السابق طلب مع مساعده، والت ناوتا، من محكمة اتحادية بولاية فلوريدا تأجيل المحاكمة الجنائية في قضية تتعلق بالاحتفاظ بوثائق سرية بعد تركه منصبه، والمعروفة باسم وثائق “مار إيه لاغو”، وإلغاء الموعد المقرر لها.
وكان ممثلو الإدعاء طلبوا بالفعل من القاضية، أيلين كانون، تأجيل نظر القضية إلى 11 ديسمبر من الموعد المبدئي المقرر في، 14 أغسطس، لإعطاء كل من الإدعاء والدفاع مزيدا من الوقت للاستعداد.
ورغم ذلك، قال محامو ترامب في طلب قدموه في وقت سابق إن موعد ديسمبر لا يمنحهم الوقت المعقول للاستعداد، ووصفوا الجدول الزمني الذي طلبته الحكومة بأنه “غير واقعي”.
وأضاف المحامون: “يتعين على المحكمة بالتالي سحب الأمر الحالي الذي يحدد وقت المحاكمة وتأجيل أي دراسة لموعد جديد للمحاكمة”، بحسب وكالة رويترز.
ووفقا لتقرير نشرته شبكة “سي إن إن” الإخبارية على موقعها الإلكتروني فإن حجج ترامب لتأجيل المحاكمة إلى أجل غير مسمى تغذي الانطباع بأن الهدف الحقيقي لترشحه لانتخابات 2024 ليس “إنقاذ أميركا”، كما يقول لمؤيديه، ولكن لإنقاذ نفسه من المحاسبة وربما بشكل نهائي.
وكان المحقق الخاص، جاك سميث، القاضي الاتحادي الذي يباشر قضية “الوثائق السرية” قد حث، الخميس، على رفض طلب ترامب تأجيل محاكمته الجنائية إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في 2024.
ورد تقرير سميث على جوانب من دعوة ترامب لتأجيل المحاكمة في قضية يواجه فيها 37 تهمة، بما في ذلك التهم المتعلقة بالاحتفاظ المتعمد المزعوم بالوثائق ومحاولات مزعومة لعرقلة التحقيق في القضية.
وأخبر سميث قاضية المحكمة الجزئية الأميركية، أيلين كانون، أن فريق ترامب بالغ في حجم الأدلة في القضية وبالغ في تقدير تعقيدات استخدام الأدلة السرية.
كما رفض المحقق الخاص حجة الرئيس السابق وشريكه في التهمة، والت ناوتا، بأنه سيكون من المستحيل تعيين هيئة محلفين عادلة قبل انتخابات 2024 باعتبار أن ترامب هو مرشح رئاسي.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نقلت عن مصادر قولهم إن مدعين فيدراليين استجوبوا، جاريد كوشنر، صهر ترامب، حول ما إذا كان والد زوجته قد اعترف بخسارته للانتخابات في 2020.
ويشير الاستجواب إلى أن المدعيين العامين الذين يحققون في مزاعم تخص محاولات ترامب إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي خسر فيها أمام منافسه الديمقراطي، جو بايدن، يحاولون إثبات ما إذا كان الرئيس السابق “يتصرف بسوء نية” في سعيه للبقاء في السلطة.
وأوضحت الصحيفة أن المدعين يستندون إلى أن جهود ترامب كانت تعتمد على “كذبة”.
وأدلى كوشنر بشهادته أمام هيئة محلفين كبرى في المحكمة الفيدرالية بواشنطن، الشهر الماضي، مؤكدا “انطباعه أن ترامب يعتقد حقا أن الانتخابات سرقت”.
وما زال المدعون العامون يبحثون ما إذا كانوا سيوجهون اتهامات ضد الرئيس السابق بسبب الجهود التي بذلها في الطعن بالانتخابات والتي حملت اتهامات واسعة بتزوير النتائج، وحتى في منع أو تأخير تصديق الكونغرس على فوز بايدن.
وهذه التطورات هي أحدث علامة على أن سميث يجري تحقيقًا صارمًا في سلوك ترامب وآخرين بعد الانتخابات.
وكانت بعض الأسئلة التي طُرحت في هيئة المحلفين الكبرى حول ما إذا تم إخبار ترامب بأنه خسر الانتخابات الماضية، وهي نقطة قانونية محتملة، وفقا لأحد المصادر.
استراتيجية ترامب القانونية
ويعتبر التاجيل أسلوبا مألوفا في العديد من القضايا القانونية، وهي استراتيجية استخدمها ترامب مرارا خلال حياته المهنية والسياسية الطويلة لتأجيل – أو محاولة التهرب – من المساءلة بشأن تحدياته المتكررة للقانون والدستور، وفقا لتقرير “سي إن إن”.
ويرى كاتب التقرير، ستيفن كولينسون، المختص بتغطية شؤون البيت الأبيض، أن كل تفصلية في القضايا التي يواجهها ترامب جديرة بالمتابعة والملاحظة، نظر للظروف الاستثنائية التي تتعلق بمحاكمة رئيس سابق، والذي يعد الأوفر حظًا في للفوز بترشيح الحزب الجمهوري.
وكان المحقق سميث قد أبلغ القاضية في ملفه أنه لا يوجد سبب للاتفاق مع حجج ترامب بأنه سيكون من المستحيل عليه الحصول على محاكمة عادلة قبل انتهاء انتخابات 2024.
وكتب سميث: “لا يوجد أي أساس قانوني أو واقعي للمضي قدمًا بهذه الطريقة غير المحددة والمفتوحة، ولم يقدم المدعى عليهم أدلة قوية”، مشددًا على طلبه تحديد موعد المحاكمة في 11 ديسمبر من هذا العام.
إلى جانب رفض تحذيرات فريق ترامب بشأن المضاعفات الكامنة في محاكمة تركز على المعلومات السرية، رفض سميث ادعاءهم أنه سيكون من المستحيل العثور على هيئة محلفين تمنح ترامب محاكمة عادلة، موضحا: “يعتمد نظام هيئة المحلفين لدينا على سلطة المحكمة في صياغة عملية اختيار هيئة محلفين شاملة وفعالة، وعلى قدرة المحلفين المحتملين واستعدادهم للبت في القضايا بناء على الأدلة المقدمة إليهم، مسترشدين بالتعليمات القانونية الصادرة عن المحكمة”.
وقدم فريق الرئيس السابق أيضا بُعدا سياسيا في حججهم لتأجيل للمحاكمة، إذ قالوا إنه ونظرا لأن ترامب مرشح رئاسي تتم محاكمته من قبل وزارة العدل في إدارة الرئيس الديمقراطي الحالي، جو بايدن، فإن الشيء العادل الوحيد الذي يجب فعله هو تأجيل المحاكمة إلى ما بعد الانتخابات.
ووفقا لكولينسون فإن الأمر الأكثر جرأة في القضية هو مجادلة فريق دفاع ترامب بأن موكلهم سيكون مشغولاً للغاية خلال الحملات الانتخابية، وبالتالي لا يجب محاكمته بينما يسعى إلى الحصول على فترة رئاسية ثانية.
وقال المحامون: “هذا الأمر يتطلب قدرا هائلا من الوقت والجهود التي سوف تستمر حتى تاريخ 5 نوفمبر من العام 2024”.
وتابعوا: “تتطلب وظيفة ناوتا منه مرافقة (الرئيس) ترامب خلال معظم رحلات الحملة الانتخابية في جميع أنحاء البلاد.. وبالتالي فإن جدول (ترامب) يجعل التحضير للمحاكمة يتطلب تخطيطا كبيرا ووقتا كبيرا، مما يجعل الجدول الزمني الحالي غير مقبول”.
ورد سميث على هذه الحجة بشكل موجز ، فكتب أن “العديد من المتهمين لديهم وظائف تتطلب قدرا كبيرا من وقتهم وجهدهم، أو قدرا كبيرا من السفر”.
مخاوف من سابقة قضائية
وهذا السؤال بالذات هو سؤال حاسم لأنه يصل إلى جوهر الفكرة الأميركية التأسيسية القائلة بأن الجميع متساوون أمام القانون.
فقد كان ترامب يجادل مرارا أمام مؤيديه بأنه ضحية للاضطهاد السياسي، ولكنه وعبر طلبات محاميه، يجادل أيضا بشكل جلي بأنه يجب أن يحصل على معاملة مختلفة عن أي شخص آخر، لمجرد أنه يرشح نفسه لمنصب رسمي.
وفي حين أنه من الصحيح بمكان أن الحملة الانتخابية تستنزف وقت المرشحين، فإن ترامب اختار للترشح للرئاسة بينما تلوح في الأفق تهديدات قانونية متعددة، بحسب تحليل كولينسون.
وإذا تم تأييد “ادعاءات ترامب وتأجلت المحاكمة في هذه القضية، فقد يشكل ذلك سابقة تتمثل في أن أصحاب المناصب المحتملين يمكن أن يتمتعوا بالحصانة من بعض الإجراءات القانونية أثناء حملاتهم الانتخابية، وقد يدفع ذلك العديد السياسيين في المستقبل إلى الترشح لتجنب الخضوع للمحاكمة”.
وتعتبر حجج ترامب أيضا نظرة ثاقبة مميزة لوجهة نظره بأنه كرئيس محتمل – أو كرئيس سابق – فهو فوق القوانين والقواعد التي تنطبق على الآخرين.
ويضيف كولينسون: “ادعى ترامب أنه يحق له الاحتفاظ بمعلومات سرية للغاية، على الرغم من أنه في الوقت الحالي هو مجرد مواطن عادي، والآن يقول إنه يستحق إعفاء خاصًا بسبب طبيعة المنصب الذي يخطط لاستعادته”.
وأثارت محاولات ترامب لتأجيل المحاكمة تساؤلات بشأن دوافعه، وذلك لأنه إذا فاز بترشيح الحزب الجمهوري ثم الرئاسة، فسيكون في وضع يسمح له بإصدار تعليمات لوزارة العدل بإسقاط هذه القضية وأي قضايا أخرى ضده.
وفي حال عدم فوزه وفاز مرشح جمهوري آخر بمنصب الرئاسة، فإن الأخير سوف يوقف محاكمة زميله الجمهوري، كما أن ذلك الرئيس المحتمل سوف يتعرض لضغط كبير من قبل حزبه للعفو عن ترامب إذا أدين في نهاية المطاف بتلك القضية.
أهمية شهادات هيكس وكوشنر
تكمن أهم التفاصيل المعروفة بشأن شهادة مستشارة ترامب السابقة، هوب هيكس، وشهادة صهره كوشنر ، الأخيرة التي أوردتها صحيفة نيويورك تايمز، في أن المصادر أخبرت شبكة “سي إن إن” أنهما قد جرى سؤالهما فيما إذا كان ترامب قد كان قد تم إعلامه بأنه خسر انتخابات 2020.
وادعى ترامب بشكل متواصل ومضلل أن انتخابات الرئاسة سُرقت منه، وذلك على الرغم من عدم وجود دليل على ذلك، حيث رفضت المحاكم طعونه الانتخابية المتعددة.
وحتى المدعي العام السابق المنتمي للحزب الجمهوري، وليام بار، قال إنه لا يوجد دليل على وجود تزوير واسع النطاق في انتخابات 2020، ولكن قد يكون من الضروري للمدعين العامين في قضية التأثير في الانتخابات الرئاسية السابقة إثبات ما إذا كان ترامب يعلم بالفعل أنه خسر.
وفي هذا الصدد، قال قال إيلي هونيغ، كبير المحللين القانونيين في شبكة “سي إن إن”، “إنه السؤال الوحيد الأكثر أهمية.. وأفضل دليل يمكن الحصول عليه هو اعتراف ترامب بأنه كان يعلم أنه خسر.. وهذا سيكون بمثابة دليل ذهبي للمدعين العامين”.