الأنفال

طارق كاريزي

الأنفال هي السورة الثامنة من القرآن الكريم، وعددآياتها (75) آية. تبدأ بالآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِالأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْوَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.) وهذه الآية هيالوحيدة التي تتحدث عن موضوع تسميتها.

لكن الأنفال في الذاكرة الكوردية وفي سيرة النضالالتحرري الكوردستاني، لها قصة أخرى تبتعد كثيراعن قيم الدين الحنيف والتعاليم السمحة التي بشربها الكتاب الكريم وأكد عليها النبي الأمين. كيف؟

الأنفال سلسلة حملات ابادة جماعية نفذتها قواتالجيش العراقي عام 1988 خلال ثمان مراحل، ذهبضحيتها حوالي 200 ألف مدني كوردي من سكانريف كوردستان العراق. حزب البعث الذي تولىالسلطة للمرّة الثانية في العراق عام 1968 أدامالمضي في الحل العسكري لضرب ثورة التحررالكوردستانية.

وبعد عامين من الحرب التي بدأت فيما سبق منذ عام1961، وتعرف كوردياً بثورة ايلول، باتت الامور عندطريق مغلق أمام السلطات العراقية، حيث أبدىالثوار الكورد مقاومة عنيدة في الدفاع عنكوردستان واصرارهم على تحقيق الحقوق العادلةللشعب الكوردي. من هنا اضطرت الحكومة العراقيةبقيادة حزب البعث لاختبار طريق السلام، ونتج عنذلك عقد اتفاقية 11/آذار عام 1970. هذه الاتفاقيةلو قدر لها التطبيق، لطوت صفحات العنفوالصدامات المسلحة الى الأبد بين الحكومة العراقيةوالقيادة الكوردية. لكن الحكومة العراقية لم تكنصادقة من حيث انفتاحها السلمي على القضيةالكوردية، وهذا ليس من باب التكهن والاستقراء، بلالوقائع تثبت ذلك بما لا يقبل الشك. وجاءت اتفاقيةآذار/ 1970 من باب المناورة لاحتواء الثورة الكورديةواجهاض مساعيها النضالية أو الحد من تصاعدوتيرتها. ولعل أولى بوادر عدم مصداقية السلطاتالعراقية آنذاك حيال الحل السلمي للقضية الكوردية،هو ضلوع اجهزتها المخابراتية في محاولات اغتيالكبار القادة السياسيين الكورد حتى وصلت الامورلتدبير محاولة اغتيال رهيبة ضد زعيم الحركةالتحررية الكوردية مصطفى البارزاني.

هكذا وبعد تنصل السلطات العراقية عن تنفيذالاتفاقية وافراغ محتواها، سارت الامور باتجاهاندلاع وتجدد المواجهات المسلحة، بالذات بعد انهاجمت قطعات الجيش العراقي كوردستان ومنمحاور عدة، على خلفية سعي كبير لتسليحه خلالالسنين الاربعة من هدنة آذار (1970- 1974) بأحدث الاسلحة البرية والجويّة آليات وعتاد، وكانتالحكومة العراقية تنوي مع سبق الاصرار انهاءالحركة الكوردية بقوّة السلاح وفرض حالة من الحلمن جانب واحد للقضية الكوردية من خلال مؤسساتشكلية لا تتمتع بسلطات حقيقية على أرض الواقع. رغم شراسة الهجمات التي شنتها القوات العراقيةبرّا وجوّا ضد الثورة الكوردية، لكن الثوار الكوردواصلوا الصمود والتصدي الاسطوري، وأكثر منذلك استطاعوا احتواء زخم الهجمات المتوالية للقواتالعراقية حتى بات الجيش يتراجع أمام مقاومةالبيشمركة. جاء الحل من جانب السلطات العراقيةمن خلال اغتيال الثورة وطعنها من الخلف عبراتفاقية الجزائر بين النظامين العراقيوالشاهنشاهي الايراني الذي تنازل بموجبه الطرفالعراقي عن سيادته على نصف مياه شط العربومناطق حدودية لصالح ايران الشاهنشاهية مقابلمشاركة الحكومة الايرانية في خنق واغتيال الثورةالكوردستانية وايقاف دعمها.

تصور قادة الدولة العراقية عام 1975 الى استنتاجمفاده، بأن الثورة الكوردستانية قد انتهت والى الأبد. وقد صرح صدام حسين لأكثر من مرّة بذلك. واتخذاجراءات قاسية ضد ما اعتبره ارضية لقيام الثورةمجددا، من خلال ترحيل وتهجير مئات القرىالكوردستانية على طوال الحدود المشتركة مع ايرانوتركيا وبعمق 10 كم. لكن هذا لم يمنع اندلاع الثورةالكوردستانية مجددا بعد عام واحد فقط من اغتيالثورة ايلول عام 1975، لأن مبررات انطلاقهاومعطياتها كانت فاعلة بشكل ملح، بعد أن واصلالنظام العراقي سياساته المعادية لمواطنيه الكورد.

مع ان السلطات العراقية مارست العنف المفرط فيضرب الثوار الكورد واستخدمت كل أنواع الاسلحةالحديثة التي كلفت الكثير من خزينة الدولة العراقية،الا ان مقابل ذلك كان الصمود الكوردي اسطوريا. وعوضا عن لجوء السلطات العراقية الى الحلولالمنطقية البديلة من خلال الانفتاح سلميا على حركةالتحرر الكوردستانية، صعّدت من مستوى قمعهاوعنفها المفرط وبلغ أشده باستخدام الاسلحةالكيمياوية المحرمة دوليا في ضرب الثوار الكوردوالمدنيين من أبناء الريف الكوردستاني، علاوة علىضرب مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي الذي ذهبضحيته (15) ألف مدني بين قتيل وجريح وخلالساعات فقط.

ثمان سنوات من الحرب ضد ايران تلقى فيها العراقالدعم الواسع من العديد من الدول الغربية ومنأشقاءه العرب وبسخاء، صعّد من امكانيات الجيشالعراقي الذي بات ذو خبرة عالية في الحرب وفنونه. هذه الحالة من الشعور بالقوة العسكرية الضاربة،رفعت درجة غرور السلطات العراقية وكبار قادةالدولة، ومن باب الغطرسة الزائدة، قررت هذهالسلطات وللمرّة الثانية استئصال الثورةالكوردستانية ولجأت في مسعاها هذا الى قاعدةميكيافيلية عنوانهاالحرب تبرر وسائلها، وهكذافقد هاجم الجيش العراقي بكامل عدته وسلاحهالبرّي والجوي اضافة لسلاحه الكيمياوي المحرمدوليا كوردستان. هذا الهجوم الذي استهدف المدنيينالكورد بذات درجة استهدافه المسلحين من الثوارالكورد. وبلغ هذا الهجوم اشد درجات العنف المفرطحتى وصل حد تنفيذ حملة ابادة جماعية على ثمانمراحل خلال عام 1988.

شعب كوردستان العراق الذي تعرض للابادةالجماعية، وقد وثّقت المنظمات الدولية هذه الابادة بكلدقة، يستحق أن يتمتع بالحماية الدولية، وأكثر منذلك يستحق أن يمارس حقه في تقرير المصير. يبدوان الحق الأخير منهما يتعارض مع مصالح الدولالعظمى، وبذلك تم تغاظي الطرف عنه.

حقيقة وأنا أكتب عن الأنفال، يصعب عليّ مواصلةعرض المأساة الكوردية. شعب ينشد الحرية، فيماتنهال الدول والقوى التي تتقاسم وتقتسم ارضهبالضرب وممارسة القمع من دون تردد حتى مناستخدام أعتى أشكال العنف وأفتك أنواع الاسلحةالمباحة منها وغير المباحة. معادلة مختلة تتحكمبطبيعة العلاقة بين الكورد والأمم والشعوب المجاورةلهم. حق التمتع بالاستقلال تم ضمانه دوليا لكافةشعوب الشرق الأوسط، فقط الكورد حرّموا ومازالوامحرومين منه. القرن العشرين والربع الأول من القرنالحادي والعشرين، يقدمان لنا سجلا حافلابالجراحات الكوردية. هنا كلامنا ينحصر على فصلمن عشرات فصول هذه الجراحات وفي أجزاءكوردستان الأربعة، واليكم شهادة من موقع الكترونيعمّا حلّ بالكورد من مأساة خلال حملات الأنفالفقط، كأحد فصول مأساة شعب طوال قرن وربع قرنمن الزمان:

عمليات الأنفال أو حملة الأنفال، هي إحدى عملياتالإبادة الجماعية التي قام بها النظام العراقيالسابق برئاسة الرئيس صدام حسين سنة 1988 ضد الكورد في إقليم كوردستان شمالي العراق. وقداوكلت قيادة الحملة إلى علي حسن المجيد الذي كانيشغل منصب أمين سر مكتب الشمال لحزب البعثالعربي الاشتراكي، وبمثابة الحاكم العسكريللمنطقة، وكان وزير الدفاع العراقي الأسبق سلطانهاشم القائد العسكري للحملة. وقد اعتبرت الحكومةالعراقية آنذاك الكورد مصدر تهديد لها وقد سميتالحملة بالأنفال نسبة للسورة رقم 8 من القرآنالكريم. و(الأنفال) تعني الغنائم أو الأسلاب،والسورة تتحدث عن تقسيم الغنائم بين المسلمين بعدمعركة بدر في العام الثاني من الهجرة. استخدمتالبيانات العسكرية خلال الحملة الآية رقم 11 وقامبتنفيذ تلك الحملة قوات الفيلقين الأول والخامس فيكركوك وأربيل مع قوات منتخبة من الحرسالجمهوري، بالإضافة إلى قوات الجيش الشعبيوافواج ما يسمى بالدفاع الوطني التي شكلهاالنظام العراقي وقد تضمنت العملية ستة مراحل.”

بدأت حملة الأنفال في عام 1986 واستمرّت حتىعام 1989، وكان على رأسها علي حسن المجيد ابنعم الرئيس العراقي صدام حسين من مدينة تكريتمسقط رأس صدام. شملت حملة الأنفال استخدامالهجمات البرية والقصف الجوي والتدمير المنظمللمستوطنات والترحيل الجماعي وفرق الإعداموالحرب الكيماوية التي جعلت المجيد يحصل علىلقب «علي الكيماوي». قُتل آلاف المدنيين خلالالحملات المناهضة للمتمردين التي امتدت من الربيعالشمالي لعام 1987 إلى الخريف الشمالي لعام1988. كانت الهجمات جزءًا من حملة طويلة دمّرتما يقارب 4500 قرية كوردية و31 قرية مسيحيةآشورية على الأقل في مناطق شمال البلاد ونزوح مالا يقل عن مليون من سكان البلاد البالغ عددهم 3,5 مليون نسمة.

ولقد جمعت منظمة العفو الدولية أسماء أكثر من17000 شخص اختفوا في عام 1988 وقد وُصفتالحملة بأنها إبادة جماعية في طبيعتها“.

 

قد يعجبك ايضا