الكورد بين ضغط الجغرافيا وقوة المشروع السياسي

شـــــريف علي

الاستهداف الإيراني للقيادة السياسية والأمنية في إقليم كردستان ليس هو الاول ،فبعد عام 2003، اتسمت علاقة إيران بالقيادة الكوردية بطابع مزدوج: تعاون اقتصادي وسياسي من جهة، وتوجس أمني من جهة أخرى، خصوصًا مع تنامي دور أربيل في التنسيق مع الولايات المتحدة.
ومع توسع النفوذ الإيراني في بغداد، أصبحت أربيل تمثل نقطة توازن مضادة داخل المشهد العراقي. خاصة وانه منذ شكل الإقليم 2014 قاعدة خلفية لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ومركزًا لوجستيًا واستخباراتيًا مهمًا، ما جعله جزءًا من معادلة النفوذ بين واشنطن وطهران. هذا الدور عزز حساسية إيران تجاه أي توسع في قدرات الإقليم الأمنية أو علاقاته الغربية.
ومنذ عام 2017، شهد إقليم كردستان سلسلة ضربات إيرانية استهدفت مواقع المعارضة الكوردستانية الإيرانية في الاقليم، ثم تطورت لاحقًا لتشمل مواقع داخل أربيل نفسها، بما في ذلك منزل رئيس الإقليم ومقار قيادات سياسية وأمنية. هذا التصعيد يعكس انتقال إيران من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضغط المباشر على مراكز القرار الكوردستاني.، فهو بالتالي ليس حادثًا عابرًا ولا ردّا تكتيكيا محدودًا، بل خطوة محسوبة تحمل طبقات متعددة من الرسائل الاستراتيجية.
ما وراء الضربة أعمق بكثير من مجرد استعراض قوة أو رد فعل ظرفي، إنه فعل يرسم حدودًا جديدة للنفوذ، ويعيد ترتيب معادلات الردع، ويختبر قدرة الإقليم على الصمود .والهجوم الإيراني يوم 17 آب بطائرتين مفخختين من طراز “حديد-110” – تم الكشف عنه لاول مرة – على مكتب السيد مسرور بارزاني ومقر رئيس المخابرات الكوردستانية العامة (باراستن) لم يكن مجرد إشارة تكتيكية، بل إعادة رسم للحدود غير المرئية التي تحكم علاقة إيران بالإقليم.
فحين تستهدف رموز عليا في السلطة السياسية والأمنية في أربيل ودون وقوع قتلى، فإن الرسالة الأساسية ليست تدميرًا بل محاولة إعادة تعريف المجال الأمني لإيران التي تريد القول إن أجواء الإقليم مفتوحة لها، وإن قدرة أربيل على حماية مراكز القرار ليست مستقلة، بل مرهونة بتوازنات خارجية لا تملك السيطرة عليها، هذا التحوّل يضع القيادة الكوردستانية نفسها داخل بنك الأهداف الرمزية لايران، بعدما كانت الضربات الإيرانية تقتصر على مواقع المعارضة الكوردية الإيرانية أو أهداف مرتبطة بالوجود الأميركي .
ما جرى يعني أن الخطوط الحمراء السابقة تم تعديلها، وأن الإقليم الذي تعده ايران خارج سيطرتها، لم يعد يُعامل كمنطقة محايدة أو ذات خصوصية، بل كساحة عمليات يمكن الضغط عليها مباشرة حين تتقاطع المصالح .
هذه الرسالة الاستخباراتية تتجاوز أربيل لتصل إلى واشنطن . فالإقليم الذي يشكل منذ سنوات كمنطقة آمنة للحضور الغربي، وكقاعدة إستقرار أميركية في العراق، تتعرض لضربات تستهدف صورته في العمق .
إيران تقول للولايات المتحدة إن أربيل ليست حصنا منيعا، وإن أي اعتماد على الإقليم كمنصة عمليات أو كملاذ سيصبح مكلفا إذا لم تعاد صياغة قواعد الاشتباك . والأهم أن الهجوم يشكل اختبارا مباشرا لحدود الرد الأميركي .
لكن هل ستعزز واشنطن الدفاعات الجوية ؟ هل ستضغط على بغداد ؟ أم ستكتفي ببيانات سياسية ؟ كل خيار من هذه الخيارات يمنح طهران معلومات دقيقة حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتحويل أربيل إلى منطقة محمية فعليا، لا مجرد شريك سياسي .
البعد الرمزي / المعنوي للضربة لا يقل أهمية عن بعدها العملياتي . فاستهداف موقعين بهذه الحساسية دون إيقاع قتلى يشي بأن الهدف الأساسي هو ضرب المكانة التي يحظى بها السيد رئيس حكومة كوردستان ومحاولة لكسر إرادة الكوردايتي لا الأشخاص. إيران تحاول ان تقول لقيادة الإقليم إنها قادرة على الوصول إلى العمق الكوردستاني ، وإن الضربة الحالية ليست سوى تحذير يمكن أن يتطور إذا لم تعدل أربيل من مواقفها في الداخل العراقي والمحيط الاقليمي بما ينسجم وأجندة طهران .
هذا النوع من الرسائل قد يترك أثرًا عميقًا على حسابات الحركة لدى القيادات، وعلى ثقة الجمهور بقدرة الأجهزة الأمنية على حماية رموز السلطة، وعلى صورة الإقليم أمام المستثمرين والشركاء الدوليين . كما أن الإعلان عن استخدام طراز محدد مثل “حديد-110” يحمل رسالة تقنية–عملياتية مفادها أن إيران تمتلك ترسانة متنوعة يمكن استخدامها بشكل انتقائي، وأن الضربة الحالية ليست سوى واحدة من أدوات الضغط المتاحة .
حين ننتقل من التحليل الاستخباراتي إلى قراءة مستقبل الإقليم، يصبح واضحا أن الهجوم يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الردع المتبادل غير المتكافئ. فإيران تريد أن تثبت أنها الطرف القادر على ضبط إيقاع التصعيد في كوردستان، بينما وجدت بغداد نفسها محرجة أمام عجزها عن حماية الإقليم من ضربات دولة مجاورة.
ما يعمق شعور أربيل بأن مشروع – حصر السلاح بيد الدولة – لا يشمل القدرات الإيرانية ولا الفصائل المرتبطة بها، وهذا يضع الإقليم أمام معادلة صعبة ، إما الاستمرار في الاعتماد على واشنطن وبغداد مع قبول مستوى معين من المخاطر، أو الدخول في تفاهمات أمنية مباشرة مع طهران، وهو خيار يحمل كلفة سياسية داخلية وخارجية .
سياسيا، سيؤدي الهجوم إلى إعادة تموضع الإقليم في علاقاته الإقليمية ، فمن جهة، سيعزز حاجة أربيل إلى تنويع مصادر الحماية، سواء عبر واشنطن أو عبر تفاهمات أمنية مع بغداد أو حتى عبر قنوات خلفية مع طهران . ومن جهة أخرى، سيؤثر على توازنات القوى داخل الإقليم نفسه ، إذ سيُستخدم الهجوم في الصراع السياسي الداخلي بين القوى الكوردية، خصوصًا في الجدل حول مدى جدوى التحالفات الخارجية الحالية. كما سيؤثر على علاقة الإقليم بتركيا، التي قد ترى في ضعف أربيل فرصة لتعزيز نفوذها الأمني والاقتصادي، أو قد تعتبره تهديدا إذا أدى إلى توسع الدور الإيراني في مناطق قريبة من حدودها
فالضربة الإيرانية ، هي موجهة إلى رموز الشرعية السياسية والأمنية في الإقليم ، ما يعزز ضرورة حماية استقلالية القرار الكوردي وتحصين المؤسسات الأمنية . في المقابل، تسعى القوى الرافضة لتلك الشرعية الى توظيف الضربة للتشكيك في جدوى التحالفات الخارجية التي يعتمد عليها قيادة الاقليم، وللتأكيد على أن الاعتماد على واشنطن لم يعد يوفر حماية كافية، وأن الانفتاح على طهران وبغداد يمثل خيارًا أكثر واقعية.
هذا التباين في تفسير الحدث ينعكس على النقاش الداخلي حول هوية الإقليم الاستراتيجية، ويعيد فتح ملف إصلاح الأجهزة الأمنية وتوزيع النفوذ داخلها، كما يؤثر في اتجاهات الرأي العام الذي يتلقى رسائل متناقضة حول أسباب الضربة ودلالاتها. وبهذا تتحول الضربة من حدث أمني خارجي إلى عنصر فاعل في الحديث عن الشرعية السياسية داخل الإقليم، وفي إعادة ترتيب أولويات القوى الكوردية في مرحلة تتسم بتعقيد إقليمي متزايد.
اقتصاديًا، الضربة ربما ستنعكس على ثقة المستثمرين الدوليين، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية، إذ إن استهداف مراكز القرار السياسي والأمني يثير تساؤلات حول استقرار الإقليم على المدى المتوسط . وقد يدفع ذلك القيادة الكوردية إلى تعزيز برامج الأمن الداخلي، أو إلى طلب دعم غربي أكبر في مجال الدفاع الجوي، أو إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية بما يقلل من اعتمادها على بيئة إقليمية مضطربة.
أما على مستوى المعارضة الكوردية الإيرانية، فإن الهجوم يرسل رسالة واضحة لها بأن الإقليم لم يعد ملاذا آمنا كما كان، وأن القيادة الكوردية في الاقليم قد تضطر مستقبلا إلى تقليص هامش حركتها تحت ضغط الضربات الإيرانية المتكررة . وهذا سيعيد تشكيل خريطة المعارضة نفسها، وبالتالي الدفع بعض فصائلها إلى البحث عن مناطق بديلة أو إلى تغيير نمط نشاطها .
يقرا في الاستهداف الإيراني للقيادة السياسية والأمنية في إقليم كردستان أن الضربة لم تكن فعلا معزولا، بل جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل معادلة الردع في إقليم كوردستان .
والسؤال الذي انطلقت منه بداية – ما الذي يعنيه هذا الاستهداف للإقليم ومستقبله؟ – تقودنا نتائجه إلى خلاصة واضحة، إن إيران وعبر تيارها المتشدد في السلطة وفي ظل تعدد مراكز القرار داخل إيران (الحرس الثوري، الحكومة، الاستخبارات) تسعى إلى تثبيت واقع أمني جديد يجعل أربيل ضمن نطاق الضغط المباشر، ويحد من قدرتها على المناورة بين واشنطن وبغداد وطهران .خاصة في أعقاب المعلومات التي نشرها موقع أكسيوس الأمريكي قبل يوم من الهجوم الايراني حول الاهتمام االادارة لامريكية بوساطة الرئيس نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان بين امريكا وأيران .
كما تكشف الضربة أن الإقليم يقف أمام لحظة مفصلية تتطلب إعادة صياغة خياراته الاستراتيجية ، يؤكد أن مستقبل كردستان بات مرتبطًا بقدرته على بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا، وتنويع تحالفاته، وإدارة علاقاته الإقليمية بواقعية أكبر.
وبذلك، فإن الاستهداف الإيراني لا يعكس فقط ضغط الجغرافيا على الإقليم، بل يبرز أيضًا قوة المشروع السياسي الكوردي الذي يقوده الرئيس مسعود بارزاني على مستوى المنطقة عموما ،و في قدرته على الصمود وإعادة التكيف . ومع أن الضربة أعادت رسم حدود النفوذ، إلا أنها فتحت في الوقت نفسه نقاشا ضروريا حول كيفية حماية القرار السياسي الكوردي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد .
إن مستقبل الإقليم سيتحدد بقدرته على تحويل التهديدات إلى فرص لإعادة ضبط التوازن الداخلي وبناء توازنات جديدة تحفظ أمنه ودوره السياسي وهو السياق المتبع من جانب قيادة الاقليم وتخشاه قوى الارتزاق والارهاب وإداراتها.

قد يعجبك ايضا