اشراقات كوردية … السجاد الكوردي لوحة فنية ترسمها أنامل موهوبة

مصطفى البصري

تعكس النقوش والرسوم المستخدمة في نسيج المفروشات طبيعة الحياة والاحوال الاجتماعية والثقافية للشعوب وتنعكس طبيعة حياة العشائر الكوردية في فن النسيج المحلي اذ احتفظوا بهذا الفن الاصيل عبر القرون الماضية وأصبح معروفاً كهوية متميزة للكورد والعشائر الكوردية.

 

 

واشتملت منتوجاتهم من تلك الافرشة على منسوجات العشائر لسد احتياجاتهم اليومية اذ اعتمدوا في موادهم الاولية على شعر الماعز وصوف الاغنام واستخدموا الالوان التي توافرت في البيئة الكوردستانية من أزهار وأعشاب ونباتات طبيعية.

 

 

ويظهر من خلال دراسة تاريخ الاحوال الاقتصادية للعشائر الكوردية انهم كانوا مكتفين ذاتياً عبر انتاجهم لهذه المنسوجات من دون الاعتماد على الآخرين من الشعوب المجاورة.

 

 

وان المجتمع الكوردي وخصوصاً العشائر كانوا خلال العقود والقرون الماضية ذا اقتصاد مستقل ولهذه الحالة أهمية كبرى من الناحية الحياتية والحضارية مشيراً الى ان المرأة الكوردية أدت دوراً مهماً ومحورياً في هذا المضمار إذ كانت الاعمال اليدوية من غزل وتلوين ونصب آلة النسج على عاتقهن بالإضافة الى انعكاس مهاراتهن ودقتهن وذوقهن الفني في صناعة السجاد والفرش والمنسوجات الاخرى.

 

لقد كتب الرحالة والمستشرقون الذين قدموا الى كوردستان عن التراث الكوردي وجلب انتباههم جمال المفروشات والمنسوجات الكوردية واشاروا اليها في كتبهم وقيَّموها تقييماً منصفًا.

اشتهرت البسط الكوردية كونها ذات نقوش بدائية مستوحاة من طبيعة المنطقة الجبلية إذ لا نرى فيها هذا التعقيد الموجود حالياً في نقوش السجاد أو البسط بل حتى عدد الالوان المستخدمة لا يتجاوز الخمسة وهو عدد قليل إذا قورنت اليوم بعدد الالوان الداخلة في السجاد الحديث.

 

واستخدم الحائك الكوردي أيضاً الالوان الطبيعية مما أضفى لها تناغماً جعلها بالتالي أفضل انواع المنسوجات وفي المقابل ازداد الطلب عليها فأغلب السياح والأجانب يفضلون هذا النوع من البسط كونها تعد من أقدم أنواع الحياكة.

مدينة اربيل في شمالي العراق تمتلك واحداً من أفضل معامل النسيج اليدوي في العراق ويعد انتاجها من السجاد علامة مميزة بسبب الخبرة والمهارة والدقة التي تتصف بها أنامل العاملين فيها. وحكومة اقليم كوردستان العراق تدعم هذه الصناعة المحلية رغم ضآلة الأرباح انما يعتبر محافظة على رمز تراثي وحضاري يشير لثقافة المنطقة.

 

وهناك متحف السجاد اليدوي الذي تأسس قبل سنوات ويقع في أحد الابنية التراثية في قلعة أربيل التاريخية والمتحف يهدف الى إحياء هذا الجانب المهم من التراث الكوردي الذي يعتبر ركناً مهماً من الارث العراقي حتى لا يتعرض للزوال والاندثار كما يهدف الى جلب أنظار افراد المجتمع ومثقفيه الى هذا الفن المهمش وهذه الهوية العراقية الكوردية.

 

 

وفي خطوة منه للحفاظ على صناعة السجاد والنسيج الكوردي اليدوي من الزوال بادر متحف النسيج الكوردي وبالتعاون مع منظمة أمريكية في تبنى مشروع للحفاظ على مهنة الصناعات الكوردية اليدوية.

وهناك ألفي قطعة سجاد وأعمال يدوية تعود لفن النسيج الكوردي المحلي غادرت اقليم كوردستان منذ عام 1992 الى مناطق مجاورة لتواجه بعدها هذه الصناعة الشعبية خطر الزوال بعد عقود كانت فيها عنواناً للفولكلور الكوردي.

علما تم جمع أنواع نادرة من السجاد اليدوي الكوردستاني وبعض القطع من فنون النسيج الكوردي ضمن إطار الحفاظ على هذا الارث الشعبي الذي يشتهر به اقليم كوردستان علما أن أقدم قطعة موجودة سجادة محوكة في عام1800. ويتكون المتحف من عشر غرف صغيرة تتوزع على طبقتين في منزل قديم يعود تاريخه الى أكثر من 150 عاماً وينتصب داخل قلعة اربيل التاريخية. وعلقت على جدران الغرف أنواع من السجاد كما افترشت أرضيتها بأنواع أخرى صنع بعضها عام1954. ويتراوح سعر السجادة بين مئة وخمسمئة دولار وتكون عادة مصنوعة من الصوف الطبيعي الذي يتميز بجودته العالية في تلك المناطق.

ولا شك بأن السر الذي يكمن في اثراء السجاد اليدوي وتصنيفها من المقتنيات الثمينة ينحصر في كون هذه القطعة النسيجية التي هي بمثابة لوحة فنية رسمتها أنامل موهوبة بتقنية فنية رائعة لا تبغي من خلالها المرد المالي هدفاً هي التي وضعت مكانة هذا العمل الذي ينخرط ضمن الفنون الاخرى.

قد يعجبك ايضا