د . صباح ايليا القس
من المؤكد انني لا أستطيع ان اعالج صفات البطولة برمتها في الشعر الجاهلي في هذا المقال لكنني سأحاول ان اعرض جانبا منها عند بعض الشعراء ومن اراد الاستزادة فهناك كتاب متخصص بعنوان شعر البطولة في الشعر الجاهلي بالامكان مراجعته للاستزادة .
تعد الخنساء أشعر شواعر او شاعرات الجاهلية على الرغم من انها ادركت الاسلام واستشهد اولادها دفاعا عن الاسلام لكن قصيدتها في رثاء اخيها ( صخر ) تعد من ابداعات الرثاء في العصر الجاهلي اذ لا يمكن تجاوزها عند دراسة المراثي فالقصيدة تعد من عيون الشعر العربي بما اشتملت عليه من صدق العاطفة وجمالية الاداء معنى ومبنى وفيها تعظيم يليق بالفرسان الابطال الذين تنطبق عليهم الصفات الطيبة التي تتباهى بها اجيال بما اشتملت عليه من قيم المجتمع الجاهلي .
تقول في القصيدة :
وانّ صخـــــــرا لوالينــــا وسيدنــــــــا وانّ صخــــــرا اذا نشتـــــوا لنحّــــــارُ
وانّ صخـــــــرا لمقــــدام اذا ركبــــوا وانّ صخـــــــرا اذا جاعـــــوا لعقّــــــار
وانّ صخــــــرا لتأتــــمُّ الهـــداة بـــــه كأنـــــه علــــــم فــــي رأســــه نـــــــار
جلــــــد جميـــل المحيّــا كامــل ورع وللحــــرب غــــداة الــــروع مسعـــــــار
حمّـــــال ألويـــــة هبّــــاط أوديــــــة شهّــــــاد أنديـــــة للجيــــــش جـــــــرّار
نحـّــــار راعيــــة ملجـــاء طاغيـــة فكـّـــــــــاك عانيــــــة للعظــــــم جـّــــــرارُ
عند استعراض مفردات هذه الابيات نراها تشتمل على القيم والمثل والاخلاق التي يعشقها المجتمع الجاهلي القبلي في ذلك الحين ولا تزال بعض هذه المبادئ تعد من الصفات الطيبة الى الآن .
ففي البيت الاول يعد الاخ هو الوالي والسيد عند موت الاب وهذا البطل ( صخر ) اذا جاء الشتاء وقلت الموارد كان يطعم اهله وضيوفه بما ينحره من حيوانات نظرا لكرمه الفائق .
وهو في البيت الثاني مقدام اي انه في مقدمة الصفوف اذا تعرض قومه الى اعتداء خارجي وهو من يشبع الجياع بما يعقره ( يذبحه ) من الحيوانات وهو في البيت الثالث المشهور جدا في كتب التراث اذ يكون ( صخر ) بمثابة أحد مواضع الدلالة نظرا لسمعته وشهرته وموقعه بين اهله .
ويحلو التشبيه اذ هو ( علم ) اي جبل واضح الدلالة فكيف اذا وضعوا فوق الجبل نارا يهتدي بوساطتها الغرباء والفقراء الى حيث الكرم والامان .
وعلى الرغم من هذه الصفات المعنوية لكنه يشتمل أيضا على مواصفات جسدية فهو جميل الطلعة والمحيا كامل الصفات الجسدية وفضلا عن ذلك هو يخاف الله في الحرام فاذا كانت الحرب واشتدت حماستها كان كأنه المسعور في مغالبة الاعداء .
ومن صفات البطولة أن يكون القائد هو من تُحمل أمامه الالوية او تسير بصحبته او امامه الاعلام لا يخشى المكان اذا كان جبلا او واديا وكثيرا ما شهد اللقاءات اذ هو سيد قومه في المجالس والاندية وفي ساحات القتال تسير خلفه جحافل الجيش الجرار .
وفي البيت الاخير تكتمل صورة البطل بل ويتكرر مشهد الذبائح والراغية هي الناقة واذا طلب الطغاة إجارته فهو ملجأ للمحتاجين الى الحماية واذا استنجدت به امرأة طالبة دفع دية احد لفك أسر ابنها فهو حامل الديات وهو من يجبر العظام اي يعين ويساعد ويقوم بواجبه الانساني ..
ومن صفات البطولة الصبر عند الشدائد ولا سيما الجوع الذي هو حاجة انسانية يعانيها الجسد والطعام من متطلبات الحياة وبدونه يكون الموت وعلى الرغم من هذا يكون البطل صابرا يقول عنترة بن شداد مفتخرا بكرامته :
ولقـــد أبيــــت عــــلى الطـــــوى وأظلــــه حـتـــــى انــــال بـــــــه كريــــم المأكـــل
الطوى = الجوع
اما حاتم الطائي فمن بطولته انه يرفض أن يكون بطيناً ( كبير البطن ) دلالة الشبع والغنى بينما جاراته جائعات يقول :
وإنــــي لأُخــزى أن تُــــرى بـــي بطنــــة وجـــارات بيتــــــي طاويــــات ونحـَّــــف
قد تكون النظرة الاولى معياراً غير منصف في معرفة الرجال واعطائهم حقهم الذي يستحقون يقول العباس بن مرداس :
تــــرى الرجـــل النحيـــف فتزدريـــه وفـــي أثوابـــــه أســـــدٌ هصـــــــور
ويعجبــــك الطريــــــر فتبتليــــــــــه فيخلــــف ظنـــــك الرجــــل الطريـــر
ان قياس او معيار الرجولة لا يكون بالمظهر الخارجي فقد ترى رجلا هزيلا فلا يملأ العين لكن الحقيقة التي يشتمل عليها انه بطل شجاع أسد وقد يعجبك رجل وسيم يتباهى بنفسه فتظنه على قدر من الشجاعة لكنه يخلف ظنك بما يشتمل عليه من ضعف الاقدام وقلة الشجاعة .