أحمد القاسمي
تآلفت مع أحد أحناش دغل نبات الصّبّار؛ في ربيع أحد الأعوام، وتحدثنا معا في شؤون كثيرة، وأشياء عديدة…
فما الذي دعاني إلى الخروج من بيتي، تاركا الحي الذي أسكن فيه، وأولي ظهري لبنايات المدينة؛ المتلاصق بعضها ببعض؛ ويضيق بعض أزقتها، ولا تكاد تتسع شوارعها لسكانها في الغداة وفي الرواح؛ مُتخطيا خطوط سكة حديد؛ إلى الحقول والبساتين؛ يكاد أن يكون نبات الصبار سياجات لها؟ وفي أي وقت من السنة؟ وما الذي توخيته منها؟
تكون تلك الجهة بعيدة عن الضّوضاء، ويكون جزء من الحقل غير مزروع؛ لنقل أنه يُترك لفترة استراحة، أو لا يُنبّت فيه شيء على الإطلاق؛ تهطل عليه أمطار الشتاء، فيغطيه بساط من عشب طريّ أخضر، وسيقان الأزهار، والنبات النجمي الشّوكي؛ ذي الأوراق الـمُشوّكة؛ تسطع عليه أشعة شمس ما قبل وقت الظهيرة؛ في فصل الربيع، فيكون جوه دافئا، وقد تراجعت برودة الشتاء؛ عن المخلوقات الحية؛ أجد إليه ممرا بين جذوع الصبار، فأجلس فيه، أو أخطو عبره جيئة وذهابا؛ مسافة تُسعفني؛ قابضا بدفتر كبير الحجم؛ أفهم فيه دروسا في علم أتلقاه في كلية الجامعة، أو أحفظ منه ما يتوجّب علي؛ تحضيرا للامتحانات التي كانت تُنظم في الأسبوع الأول من كل شهر ماي؛ من كل سنة دراسية؛ فهذا استعداد يكون في شهر أبريل.
ففي يوم أتهيأ فيه لليوم الفاصل، وعيناي تنهب السطور، وعقلي يحاول أن يفهم، وذاكرتي تحاول أن تحفظ؛ إذ نظرت إلى جانبي؛ مُسترجعا جملة عصية الفكرة، فوقعت عيناي على ورقة الصبار العريضة؛ ممتدة من الغصن الغليظ، يتلولب عليها حنش مرقط الجلد باللون الأصفر؛ رافعا رأسه باطمئنان إلى أعلى مُتشمّسا، مُستمتعا بجو الربيع الصافي؛ كما أتشمس أنا أيضا؛ مُستمتعا بجو الربيع الرائق؛ ناظرا إلي بعينين براقتين؛ لا تفصله عني إلا مسافة خمسين سنتميترا؛ يلتمس دفء جلوسه بجاني؛ كأنني أنا أيضا ألتمس دفء وجوده بجانبي.
أيـُمهِل الإنسان نفسه ليفكر في قرار في تلك اللحظة؟ إنه الخوف؛ تنتج عنه ردة فعل سريعة، وبدون تأخر؛ هو إطلاق العنان للساقين، بمسافة يتأكد منها أنه في آمان من ذلك الحنش الـمُروّع في شكله. لم أكد أنطلق انطلاقة العدّاء القوية والسريعة؛ حتى سمعت ما هو موجه إلي؛ فقد تفوه الحنش آمرا:
– إلزم مكانك يا آدمي، وإلا أرسلت في أثرك جميع أحناش الدغل.
لم أخط قيد أنملة، والتفت إليه بخوف قائلا:
– هذا لا يصدّقه عقل الإنسان؛ ألا أهرب من أمامك؛ ناجيا بروحي!
قال مهدئا من اضطرابي، وبلباقة:
– عُدْ إلى مكانك، فإني أعطيك الأمان.
سكت لحظة وأتبع ذلك سائلا:
– أنتم معشر البشر، أستُأمنون؟
قلت وفريصتي ترتعد:
– لا… لا…
قهقه الحنش، وقال:
– جعلك الخوف مني تصدُق في قولك، ولا تُخفي عني شيئا، أهكذا تصْدُقون فيما بينكم وبين نفوسكم يا أبناء آدم؟
قلت مُسترحما إياه:
لا… لا… ننافق بعضنا البعض… دنيانا نفاق… تفوح منا رائحة النفاق… تتضوع بها علاقاتنا اليومية… إننا نتعطر به في صباحاتنا.
قال مُحرّكا رأسه حركة عاقل؛ ذكي؛ لا يخفى عنه شئ؛ ناظرا إلي بعينين هادئتين:
– أعرف، ولا تحسبنّ أني جاهل، فإني علمت من جدي الكثير من أخباركم، وطبائعكم؛ ذلك أنه كان يسكن جُحرا قريبا من بيت أحد الدواوير، يكفي ما حكاه لي؛ عن أقصى حد من شروركم.
سألته متوددا له حتى لا يُؤذيني:
– ما أبلغك في كلامك؛ ماذا يا تُرى روى لك جدك عن جنسنا؟ هو أوضح صورة عن أذى الانسان لأخيه الإنسان بلا ريب.
أجابني وهو يخزُرني؛ كأنه يتوعدني:
– ثلاثة إخوة قتلوا أباهم، وطمروه أحد الأودية.
سكت لحظة تاركا لي بعض الوقت لأعود من ذهولي، وأهدأ من صعقة ما سمعته، ثم استطرد قائلا:
– باع والدهم غَلّة في السوق، فقتلوه طمعا في المال، من دل المحققين على مكان مواراة الجثة، وعلى مخبأ النقود؟ إنها أختهم الصغرى الخرساء؛ بإشارات من يديها وأصابعها؛ أطلعتهم بكل ما شاهدته.
أخفضت رأسي عدة مرات؛ مُستَح مما سمعت، ورفعته مُستصغرا نفسي أمامه علامة على أن: «نعم»، أما هو فقد اكفهر وجهه من التألم، وأوذي في نفسه، فانساب من ورقة الصبار، ودب على العشب؛ مقتربا مني، فحاولت الابتعاد عنه، إلا أنه قال لي؛ غير مكثرت بخوفي:
– لا تبتعد عني، إطمئن ولا تخف.
وتلولب بعصبية رافعا رأسه باندفاع، وقال:
– وما أحمقكم حين تُشجّعون أولادكم على تربية الحيات في بيوتكم! وهؤلاء كبار منكم أيضا؛ إنها حماقات سكان المدن.
قلت بشجاعة كاذبة، محاولا أن أبين له أنني في صفه:
– إيه أنت؛ لم أرو عليك حكاية… اسمع …إن في تاريخ البشرية العسكري حماقات، لو ترى البوارج الحربية العملاقة الـمُكلِّفة؛ كأنها أهرامات من فولاذ مُرهبة؛ التي تحاربت بها دول أوروبا الغربية في حروبها المعاصرة.
قال؛ وما يزال التأثر بمقتل رجل من طرف أبنائه باديا عليه: