الجواهري في رحاب الاكتئاب  

 

د . صباح ايليا القس

 

 

الشعر والشاعر لا يكون الا حصيلة توترات آنية او انها نتيجة استرجاع فكري يؤثر في النفس فينطلق على لسان الشاعر لغة أدبية صافية تكتنز بالمعاني التي تتواءم مع حالة التوتر التي يعانيها الشاعر لحظة الانفتاح على القول الشعري ..

لا يختلف اثنان على ان الشاعر هو ابن البيئة الاجتماعية وعليه ان يكون متوائما مع افراحها واحزانها لذلك يكون قوله على الاغلب منسجما مع الآخرين وحتما بما يتفق مع ارادته ومبادئه التي يؤمن بها ويسعى الى تحقيقها ..

الجواهري شاعر له أنصاره وحتما هناك من يعارضه فيما يجتهد من افكار وتطلعات لا سيما والعراق شهد تحولات سياسية واجتماعية كانت شاعرية الجواهري حاضرة لتدوينها بل ان الجماهير كانت دائما تنتظر من الجواهري موقفا حيال تلك التطورات لا سيما الصراعات السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق عبر تاريخه الحافل بالمتغيرات .

إن الهم الوطني وتحرير الوطن من براثن الاستعمار والسعي للاصلاح الاجتماعي عبر منظومتي المدرسة والصحة فضلا عن البرامج السياسية التي تهدف الى بناء الانسان وتخليصه من الفقر والجهل والاستغلال والاستبداد والاستعباد التي كلها تصب في خدمة المواطن أليست هذه التي ذكرناها من موجبات الاكتئاب والتوتر وعدم الاستقرار ؟ أليس الشاعر هو الذي يعبر عن هموم الناس ويحملها عنهم ويسعى الى تحقيق السعادة للجميع . يقول في هذا :

بكيــــت ومـــا علـــى نفســي ولكــن        علـــى وطــــــن مضـــــــامٍ مستهــــانِ

عند مراجعة التاريخ نجد ان الانظمة السياسية لم تكن على وئام مع الجواهري لانها تمثل القوة الغاشمة التي طالما قمعت الشعب المطالب بالحرية والاستقلال والحياة الحرة الكريمة يقول :

فليشهـــد النـــــاس طـــرّا اننــــي خجـــل       وليشهـــــــد النـــــــاس طـــرّا اننــــــي بــرمُ

وعند اشتداد المعارضة الى حد التصادم والسجن لم يكن امام الجواهري الا ان يطلب شهادة الناس على موقفه المناصر للقضية الوطنية فهو ( خجل ) مما تفعله الحكومة وهو ( برم ) اي ضجر من تجاهلها مطالب الناس .

لم يكن الجواهري وحده ليحمل تلك الاحزان بل كانت هناك قوى وطنية اخرى تتفاعل مع الجواهري في طروحاته ويتفاعل معها , ولا بد من ذكر المواقف البطولية للجماهير المحتشدة في جامع ( الحيدرخانه ) الذين ينطلقون بمظاهرات صاخبة بعد صلاة الظهر في ايام الجمعة وفيها كان يقودهم الشاعر محمد مهدي البصير واحيانا الجواهري للتعبير عن السخط والاستهجان والمعارضة الوطنية لما تقوم به الحكومات الموالية للانكليز وحينها يكون البصير والجواهري من نصيب قوات الشرطة فيوضعون في السجن .

يقول الجواهري :

مـــاذا صنعــــت بنفســي قــد أحقــتُ بهـــا     مــا لـــم يحقـــه بــ ( رومــا ) عســـف نيــرونِ

الزمتهـــا الجـــد حـــــيث النــاس هازلـــة      والهـــزل فــي موقــــــــف بالجــــدِّ مقــــــرونِ

لم يفارق الحزن والاكتئاب حياة الجواهري اذ يبدو أن ايام السعادة قليلة اذا قيست بايام السجن والاضطهاد وقلة الموارد والمطاردات والتغرب والاختفاء القسري وفيها يعاني من الوحشة والقهر والظلم لكن بأحتمال بطولي فالقضية الوطنية والنضال من اجل الآخرين هما من صفات الرجال الابطال الذين يقرنون القول بالفعل يقول :

وليـــل موحــــش الجنبـــات داجٍ       شتيــــم الوجـــه مســــوِّد الــــــرواق

أُشـــــدُّ الــى النجـــوم بـــه كأنــي     وإياهـــنَّ نرســـــف فــــــي وثـــــاقِ

في هذين البيتين يصف ليلة قهرية وطولها الموحش فهو في سجن معتم لا يظهر اي ضوء فهو في ظلام دامس وفي معاناة بما يشبه النجوم المقيدة في السماء بحيث لا صباح يرتجى منها .

واذ هو عجز عن مخاطبة النجوم التي لم يجد فيها عونا يؤنسه ويخرجه من حالة الاكتئاب اجتهد ان يخاطب الشجر عساه يجد فيه عونا يخلصه من الحزن لما يتوافر عليه من اخضرار لكنه وجد عتابه وامله ليس في محله فارتضى القهر والصبر سبيلا يقول مخاطبا نفسه :

لــــــــو يعلــــم الــــــــــــذي أنبتـَّــــــــهُ       مـــا حـــــلّ فيـــك مــن الاذى مـــا أورقـــــا

لا يمكن إلا أن نقرِّ بأن الجواهري حزن واكتئآب وعانى وتعذب وما يوائم هذه المفردات التي انطقه هذا القول الشعري الجميل والذي أصبح تاريخا لا يمكن أن يتجاوزه الدارسون .

 

 

قد يعجبك ايضا