قراءة – ثُريّات المَضامين في بنات أور/2

 

جابر خليفة جابر

 

أما السمة المشتركة الرابعة لنصوص المجموعة فهي أن جميع الشخصيات الأساسية وفي جميع النصوص كن نساءً أو لنقل كن بنات أور.

ونخلص من هذه السمات الأربع وغيرها كثنائية الصراع الأزلية التقليدية بين الجمال والقبح وبين الخير والشر، وكإشكالية العلاقة بين الأنوثة والذكورة في العالم البشري، وكحجم النصوص القصصية فجميعها قصيرة حتى يمكن تجنيس العديد منها بالقصيرة جداً، نخلص من كل هذه السمات إلى أن هذه المجموعة القصصية قريبة نسبياً من كونها كتاب قصصي متضامنة نصوصه للإعلان عن ظواهر اجتماعية محددة ومنحازة ضد المرأة، ومعالم رفض بنات أور لتلك الظواهر.

وهنا يتساءل القارئ عائداً إلى العنوان، لماذا أور وليس مدينة أو بلد معاصر؟ ولماذا أور الرافدينية وليس غيرها.

لاشك أن الشعرية العالية لهذا العنوان ” بنات أور ” متأتٍ من أن الكاتبة هي شاعرة مبدعة، ووصفها بالمبدعة في الشعر أقصده ولا أقوله اعتياداً أو جزافاً، وليس هنا طبعا مجال الحديث عن التجربة الشعرية لأسماء الرومي فهذا خارج اختصاصي نوعاً ما لكنني أرجو أن تنال أسماء الشاعرة اهتماماً نقدياً أكثر بما يتناسب وفرادة أسلوبها الشعري المعتمد على جماليات الفكرة والموضوع وتساؤلات القلق الوجودي وتشخيص الظواهر المظلمة في المجتمع للارتفاع بشعرية نصوصها لمستوى عال بدلاً عن الاعتماد السائد على البنى السردية وتشعيع المفردات، وكي لا يجرّنا الشعر لحدائقه أقول أن فرادة الأسلوب لدى أسماء الرومي وهي شاعرة لم تفارقها وهي قاصة وكانت سمة لها في مجموعتها القصصية الأولى ( بنات أور ).

ونعودُ إلى سؤال القراءة : لماذا أور ؟ لماذا لم يكن العنوان ( بنات العراق) أو (بنات البصرة) والبصرة قديمة وحاضرة هي سليلة أور الرافدينية وابنتها ؟

يشير هذا الأعراض عن التاريخ القريب أو المرتبط بأسماء معاصرة واعتماد بعد زماني يعود إلى مبتدأ الحضارة الإنسانية إلى التأكيد على أن بنات أور إنما هن بنات حضارة عريقة وهن من علمن البشرية ويكفي أن يكن سليلات عشتار أو إنانا تلك السومرية الملكة التي غلبت الأله أو الملك إنكي بعقلها وحكمتها وأخذت منه ألواح المعرفة.

أما الحاضر ممثلا بالعراق أو البصرة فأقل سطوعاً والمرأة في حاضرنا أقل توهجاً وأدنى تحرراً بكثير من تلك المرأة العراقية الرافدينية المسماة بنت أو بنات أور.

وهي بهذا العنوان تؤكد حضوراً شعرياَ واضحاً حتى في سردياتها، بل يمكن القول إن نصوص أسماء الرومي في هذه المجموعة حتى وإن كانت قصّاً لكنها تشع بالشعرية الكامنة، وعنوان الكتاب هو أوضح الأمثلة الدالة على ذلك.

إن عنواناً متميزاً مثل (بنات أور) لا تصح تسميته بعتبة نصيّة، حتى وإن رجعنا إلى أفضل توصيف للعتبة وهو أن تكون المدخل أو المجاز المؤدي إلى النص، ووصفه بثريا النص أجمل وأليق به، وكنت قد تحدثت خلال شهادتي في مؤتمر السرد الرابع في بغداد 10-12-2022 عن إن استخدام مصطلح العتبة النصية لوصف العنوان لا أجده مناسباً خاصة وإن المعنى الغالب في اللغة العربية للعتبة هو الحافة السفلى الأوطأ لباب الدار، وحتى لو كانت العتبة هي العارضة أو الحافة العليا للباب تبقى بمستوى منخفض عن الدار، بينما يتجلى مصطلح ثريا النص بشكل جمالي وواقعي ليكون وصفاً رائعاً للعنوان ولم يثبت بعد لدي من اجترح مصطلح ثريا النص وقال به كوصف للعنوان! إذ يحيل أستاذنا الحي الراحل محمود عبد الوهاب هذا المصلح بهامش في كتابه ( ثريا النص ) إلى ديريدا مستنداً إلى مقال للناقد حاتم الصكر كتبه عن عبد الفتاح كليلطو وهي إحالةٌ بعيدة عن المصدر المباشر، هذا فيما لو صحت الإحالة لجاك ديريدا. وقد حاولت التقصي قدر طاقتي، تعيقني اللغة وعدم تفرغي، واستعنت بأصدقاء يجيدون الفرنسية والإنكليزية فلم يجدوا مصطلح (ثريا النص ) منسوباً لديريدا، فهل كان هذا المصطلح من اجتراح أستاذنا محمود عبد الوهاب ولم يعلن عنه ؟ طرحت التساؤل في مؤتمر السرد على عدد من النقاد المهمين ولا جواب بل أن أحدهم نسبه من دون تدقيق إلى جيرار جينيت !

 

والأغرب من هذا أن المصطلح الآخر الشائع بين نقادنا وأدبائنا شيوعاَ كبيراً وأعني ( العتبات النصية ) لم يؤخذ من كتاب مترجم بالكامل لجيرار جينيت وإنما من كتاب عبد الحق بلعابد المعنون (جيرار جينيت من النص إلى المناص ) وكان مصطلح العتبات النصية من ضمن ما تناوله فيه، والسؤال وسط بابل المصطلحات المضطربة في معرفياتنا العربية هل يحق لبعضنا استخدام مصطلح لم يطلع بشكل كاف على تأصيلاته النظرية من المصادر المباشرة ولو مترجمة وهل من المعرفة أن نلوكه بشراهة من مصدر غير مباشر لم يخصص له بالكامل وأعني الكتاب أعلاه ومقالات أخرى ربما ؟ هل يصح هذا علمياً ؟ أورد هذا التساؤل برائحة الاستغراب وأعود لكتابنا محل القراءة ( بنات أور ) وأتناول سبعاً من نصوصه القصصية منفردات، وكل نص من نصوصه كما قدمت قائم بذاته ومستقل.

( 1 )

مع أن نهاية قصة ( ميتاً يقف على قبره ) متطابقة تماماً مع الحدث الأخير والصادم حين يفاجأ الأخ الرسام أو الجندي الأسير بقبر له وشاهدة القبر تحمل اسمه هو الأسير العائد ويقع قبره هذا جوار قبر أمه، لكنه يعرف بأن قبره هذا يضم رفات جندي آخر كان رفيقه في الحرب، لكن هذا التطابق لن يكتشفه القارئ إلا بعد الانتهاء من قراءة هذه القصة المتميزة فنياً، ولاشك أنه إذا أراد استيعابها جيداً سيعود لقراءتها مجدداً، وهنا تكمن أهمية اختيار العنوان وعلاقته بالمتن فالعنوان هنا ثريا نص لكن ضوءها جاذب للقراء ومستدرج لهم قبل أن يكون كاشفاً، سيتساءل القارئ كيف لميت أن يقف على قبره، ويدفعه هذا التساؤل للمضي في القراءة حتى النهاية، حينها سينحلُّ لغز العنوان بعد أن تشرّقُ به القاصةُ وتغرّبُ بذكاء ودراية، ولو لاحظنا بداية القصة وخاتمتها والعنوان لوجدناها تخلو من أي إشارة للمتن الجميل أو لحكاية الجندي الرسام الذي يرسم رفاق الحرب كي يحتفظ بملامحهم بعد فقدانهم في المعارك، ثيمة جميلة جداً تضمنها المتن الذي لم تشر إليه لا الافتتاحية ولا الخاتمة ولا حتى العنوان وهذه البراعة في الإخفاء والتمويه على القارئ دليل على المهارة القصصية العالية للكاتبة، مع ملاحظة إن الميت الذي يقف على قبره هو ذاته الأخ الوارد ذكره بداية القصة وهو ذاته الجندي الأسير الواقف على قبره فعلاً في خاتمة القصة، وهنا تضافر العنوان مع مفتتح القصة ونهايتها ببراعة قص لافت للنظر.

( 2 )

وفي قصتها الثانية ( يا تين) يحيلنا العنوان إلى قصيدة للشاعر العراقي حافظ جميل الذي كتبها بوحي من حكاية له مع فتاة حادة الطبع قوية الشخصية كان زملاؤها الطلبة يتحاشون الاقتراب منها لكنها استجابت لغزل الشاعر ولم تبتسم إلا له.

هذا العنوان والتعريف الثانوي ( لا تخف من الغياب إن لم يسطع حضورك) ينسجمان تماماً مع علاقة تلك الفتاة وكان اسمها على ما أتذكر ليلى تين، والإشارة هنا أو استحضار حكاية حافظ جميل وليلى تين يكشف عن علاقة قوة واثبات حضور ووجود تبنته شخصية القصة بعد أن تخلّف حبيبها عن الحضور في موعدهما عند شجرة التين ( نلاحظ مفردة تين الرابطة بين اسم الفتاة والشجرة محل موعد اللقاء) هذه الشجرة التي يحمل جذعها أوشاماً لمواعيد ماضية بعيدة لا يمثل حضور الفتاة الساردة عندها إلا محاولة لم تنجح لإضافة وشم جديد، فلكل وشم حرفان يمثلان طرفي اللقاء، لذا لم يحفر وشم يوثق موعدهما ولقائهما على جذع التينة بسبب غياب الآخر، وهكذا قررت أن تستعيض عن غيابه بحضورها هي وبأن تكتمل – ولو من دونه -الأشياء الجميلة من حولها.

وبخلاف النص القصصي ( ميتاً يقف على قبره ) فإن العنوان هنا والجملة الافتتاح والخاتمة تضافرت مع المتن القصصي لتقدم لنا لوحة جميلة أخرى.

إن هاتين القصتين أو هذين النصين القصصيين( ميتاً يقف على قبره + يا تين ) يكشفان عن مبدعة متميزة في القص كتميزها الذي نعرفه في الشعر والفن التشكيلي، وعسى أن لا يؤثر هذا التنوع في مجالات الإبداع الثلاث على أي منها.

قد يعجبك ايضا