د. تيسير عبد الجبار الآلوسي
هذه مطالعة أشبه بجولة بين بعض ما يجابه التعليم بخاصة في العراق اليوم وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتعليم.. وهي بحقيقتها معالجة جد موجزة لمحاور العملية التعليمة بين أبعادها النظرية وتلك التي تتسيد المشهد واقعيا فعليا.. والمحاولة تتطلع لاستكمالها عبر ما يرد من تداخلات بشأن كل محور تطرحه هنا.. فإلى ذلك أضع هذه التوطئة العجلى
1- قراءة أولية بإطار مفاهيم التعليم والتعلّم ومرادفاتها
في مجال التعليم هناك كثير من المحاور المهمة الرئيسة منها والفرعية، لكننا في إطار معالجتها نعاني باستمرار من إشكالات ضبط المصطلحات وتوظيفاتها الدقيقة ما يثير بكثير من الأحيان مشكلات عقدية في إدراك الظواهر وضبط اتجاهاتها أو مساراتها… وفي ميدان التربية والتعليم تستمر الإشكالية بقصد ومن دونه لغايات وأهداف مختلفة وعندنا هنا سنجد من بين أبرز محاور العملية ما يتركز في مصطلحات منها إدراك مفاهيم التعليم والتعلّم والتدريس. أولاَ
وعلى سبيل المثال، فإن التعليم تعددت تعريفاته وإن اتفقت بجوهرها عندما استند الباحثون إلى منطق العقل العلمي فأشروا إلى أنَّ التعليم يعني: عملية منظمّة تشكل أساس مشروع إنساني يستهدف دعم (تعلّم) الأفراد بتوفير الوسائل المادية والنفسية التي تنشّطهم وتسهّل تفاعلاتهم مع عناصر البيئة التعليمية التي تكسبهم جملة من الخبرات والمعارف ومنظومة القيم والمهارات بنقلها من المعلم إلى المتعلم بما يؤهلهم على مجاراة متغيرات حيواتهم ومراحلها الأحدث وتتحدد العملية التعليمية بأية عملية يكون فيها المتعلم بموقف تعليمي، وعلى استعداد ذهني نفسي بقصد امتلاك أدوات أو محتوى إدراك محيطه للاشتغال عليه بوسائل عصره وتُقاس العملية بقيمة التغيير في سلوك المتعلم وقدراته المستجدة في ضوء فعل التعليم.
ولأنَّ عملية التعليم تتجسد في مهمة يمكن رصدها ومتابعة خطى التفاعل اللفظي الدال بين أطرافها بات حتميا قياس متغيرات (سلوك) المتعلم لحساب النتائج وتقييم نتائجها أو للانتقال إلى رصد مهمة التدريس ومستويات نجاحها في تلبية أهداف العملية التعليمية. ونقصد بالتدريس هنا، فعل المدرس عند اتصاله بالمتعلم بنظام يبقى من جهة الأداء شخصيا فرديا حيثما تمّ النهوض بالدور المهني في عملية جرت تسميتها، التدريس بقصد الانتقال من وضع عقلي لآخر أكثر تقدما بما يحقق التنمية المتأتية عن مراكمة التجارب التعليمية المخطط لها والهادفة الموجهة.
وهكذا بات لدينا وضوح الرؤيا بشأن التعليم والتدريس حيث يتسع المصطلح الأول لجملة المعارف والمهارات والقيم والخبرات ويتحصل بصورة مقصودة أو غير مقصودة فيما ندرك أن التدريس فعل مخطط مقصود، لن يشمل المهارات بقدر ما يركز على نقل المعارف والعلوم..
إننا بالتعليم يمكن أن نتحصل على تجارب تفيدنا باكتساب موقف قيمي أخلاقي نتصدى به لمنطق الظلام وقواه ومآرب التخلف ولا نرى في ضوء هذا مجتمعا بلا تعليم إلا وكان الجهل والتخلف يسودان وتتفشى فيه أخلاقيات الفساد باختلافها..
وبالتعليم تظهر عملية التعلّم بوصفها تجسيداً لمجمل الفعاليات و\أو العمليات المعرفية الداخلية التي تتحول بدروس التعليم إلى جملة معالجات قادرة على إنتاج منظومات قيمية سلوكية ناجحة باستثمار استدعاءات ذاكرة المتعلم من عملية التعليم. بصيغة أخرى فإنّ التعلّم تغيير في السلوك أو القدرة على أداء فعل نتيجة عملية التعليم الأمر الذي لم يكن يستطيعه قبل فعل التعلّم، الذي يعد ضرورة للإنسان المعاصر بخصائص يلزم امتلاكها من تغيير سلوكه للتمكن من حل ما يجابهه من عقبات ومسائل ولتلبية فعل النمو وإدراك العالم المحيط به كيما يكون أكثر تكيفا مع البيئتين الطبيعية والاجتماعية الإنسانية فضلا عن تحقيق السعادة عبر استيعاب منطق الثقافة وقيم التمدن والحضارة الأحدث..
إن فعل التعلّم متشعب مركّب بما يمكنه أن ينتج مختلف أنماط السلوك الفردي الشخصي والجمعي الذي يجسد الأنشطة الإنسانية ومنها هنا خلق شخصية قادرة على التفكر والتدبر والأداء الحركي منه والاجتماعي وما يشمل أيضاً: النشاط الانفعالي واللغوي، بما ينجز فعل التراكم المعرفي العلمي والسلوكي الإنساني حيث يتم التناقل بين جيل وآخر لكل مفردات التنشئة والتنمية الاجتماعية التي تستثمر تربويا أشكال التفاعل مع العالم المادي والروحي المحيط بكل تنوعاته وغنى معارفه وقيمه واتجاهاته المرتبطة بالتعددية والتنوع للوجود الإنساني وبالمناسبة لا يمكننا إقرار حصر التعليم والتعلم بالأطفال وبعملية تربوية نفسية محدودة لأن فعل التعلّم ينفتح على منطق استمراريته مع الوجود الإنساني بخاصة عندما نرصد متغيراته جمعيا بجانب البعد الفردي له.
إنّ هذا التوقف الاصطلاحي ليس تحديدا أو حصرا للمعطيات الأعمق لفعل التعليم والتعلم وبإطارهما التدريس أيضاً؛ ولكنه كشف حساب لمنطق تبنيه الملزم والواجب في عصر لم يعد يسمح بالجمود والتخلف ومفارقة فعل التعليم والتعلم فمن دونهما سيبقى أي مجتمع وأي فرد فيه بانقطاع عن ركب التقدم وبمغارة ظلام وجهل، لا يمتلك من يومه ما يستطيع به لا إنتاج قوته، بل ولا تلبية ما يحقق له السعادة، دع عنكم كارثة استعباده باستغفال مشهود تحت مختلف المسميات .