أحمد القاسمي
قدم القطار السريع، فما أسرعه! وما أقوى هدير محركاته! وفُتِحت لنا أبوابه أوتوماتيكيا، فصعدنا الدرجات، واتجهنا إلى مقعدينا، ولا بد أن يُطابق رقماهما رقمي التذكرتين، وقد تتبثنا من ذلك؛ حتى لا نخل بنظام تسيير وسيلة النقل هذه العظيمة في عصرها، وفي بلدها، ثم أودعنا جذعينا وَثارَةَ الكرسيين، وطفقنا ننظر في كل قطعة رُكب بها داخل عربة القطار، والذي أخذ باهتمامنا من شكل القطار وأدائه؛ هو شاشة رقمية تُبيّن عَدَّ السرعة التصاعدي، فأقصى سرعة تقافزت إليه الأعداد هو ثلاثمائة وعشرون كيلومتر في الساعة، فكنا نسمع صوت احتكاك الريح ببدن العربات المعدني، ولم تجذب أراضي سهل (الغرب) المغلالة نظرنا؛ بقدر ما كنا ننشرح لانطلاق القطار وزيادة سرعته، ثم نتحمس للمَقْصِف؛ هل أشعرنا بعربته المخصصة له أحد نطق بها في مكبر الصوت؟ أم تلقيناها بشيء آخر لم أعد أذكره، فكان أن دَرَجْنا إليها مجتازين العربات، وأنا أحس بأنه لا غنى عنه ذلك المقصف؛ في افتخارنا برحلتنا بالمطية السريعة، وكان النادل امرأة في سن الشباب؛ تقوم على خدمة المسافرين؛ تُلبي ما يطلبونه لفطورهم؛ بحركات تمهل في ذلك، ما اشتهته نفسي هو كوب حليب بالقهوة، وقطعة مما يُخبز هشّا هو أقرب إلى إسفنجة من عجين الدقيق يُقلى في الزيت، لا يتعدى تناوله أربع قضمات، حملنا هذا، والذي رأى فيه ابني فطورا يكفي له، وعُدنا إلى مقعدينا، ونحن نعرف أن أمام كل واحد منا لوح متحرك يُسحب؛ نضع عليه ما كنا نأكله، ويُطوى أو يُغمد كأنه لم يكن، بعد ذلك عدت إلى التدقيق في كل ما تتركب به العربة، ومن حين لآخر أرفع عيني إلى شاشة كيلومترات السرعة، لأرى ما إذا كان القطار يتجاوز الثلاثمائة والعشرين كيلومترا؛ إلى أن اقترب من محطة (طنجة)، فبدأ العد الإلكتروني يتناقص، فلم يتجاوز إذن قطار (البراق) سرعته التي وصل إليها.
نزلنا من (البُراق) مع النازلين، فهذه آخر محطة في امتداد سكة الحديد إلى الشمال، وأول ما لاحظت هو العدد الكبير من الذين سافروا بالبراق، فالكثير إذن يُقبل على السفر به، فلم يُثن أحد منهم ثمنُ التذكرة المرتفع بالمقارنة مع أثمان القطارات الكلاسيكية، وسرنا مع المغادرين للمحطة، فجالت عيناي في مكاتب بيع تذاكر القطارات، ومكاتب شركات النقل البري، وأكشاك بيع البطاقات البريدية، وأشياء للذكرى وللزينة، وفي الكراسي التي احتضنت من ينتظر اقلاع القطارات. لم يكن تصميم محطة (طنجة) أقل فنية من محطة (الرباط)، وما استرعى انتباهي لحظة خروجنا من المحطة هو الفنادق الضاربة إلى الأعلى ذات طوابق يتعدى عددها أربعة، وأول سؤال توجهت به إلى أحد سائقي سيارات الأجرة هو: «أما من أحد السائقين يُقلِّنا إلى مغارة هرقل؟». أجابني: « في هذا الوقت من السنة لن تجد من يؤوب بك، فالركوب إليها والعودة منها غير منتظم، وخير لك أن تؤجلها إلى موسم يكون في أيام صفاء الجو».
ولما لم يسنح لنا الظرف إلى القيام بذلك؛ استمررنا في خطونا في الاتجاه الذي ظهرت فيه صفحة ماء البحر، وسألنا أحدا عن مدينة (طنجة) العتيقة، فأشار بيده إلى بنايات تقوم على قمة تلة، فتابعنا سيرنا إليها مترددين؛ بما إذا كانت أقدامنا تتحمل الخطو إلى هناك.
كنا غرباء عن المدينة، ولا تتضح لنا مسالكها، ولا أحياؤها، ولا الأماكن التي تستحق زيارتها؛ هل فطن أحد إلى ارتباكاتنا؟ نعم؛ فقد توقف سائق بسيارة أجرة؛ كأنه يريد أن يقطع عنا طريقنا، فانتبهنا له خصوصا عندما ترجل وجاء موجها كلامه إلينا؛ حيث قال: «أنا على استعداد بأن أحملكم في جولة في أهم أماكن المدينة السياحية بثمن يُرضيكما»، وزاد بأن يحمسنا إلى قبول خدمته بأن قال: «وسأتوجه بكما إلى مطاعم ميناء مراكب الصيد لتتغذيا على السمك الطازج إلى حد الشبع»، ثم نطق بالمقابل.
لم يُثنِنا عن قبول عرضه الثمن الذي طلبه، وإنما كنا لا ندري أي الأماكن التي سيتوجه بنا إليها، وما مدى أهميتها السياحية، وأحقيتها بالزيارة، وقررنا أن نتابع خطواتنا، ولا ندري أتقدر أقدامنا على حملنا في مسافة نقطعها إلى (طنجة) القديمة، وباستحالة الجواب علينا؛ بان لي أن نركب (طاكسي)، سألت أول سائق توقف لإشارتنا: «هل نجد مطاعم تُقدم وجبات غذاء بثمن يناسبنا في المدينة العتيقة؟»؛ رد: «نعم»، وما يزال يصعد بنا التلة إلى أن توقف في ساحة تحيط بها الدكاكين والمطاعم والبيوت القديمة، فنزلنا وتابعنا الصعود؛ إلى أن فوجئنا ببناء أمامنا عُلّقت على حائطه لوحة كُتب عليها: متحف ابن بطوطة، فكان هذا بُشرى لنا؛ إلا أن سعادتنا بذلك لم تدم طويلا؛ ذلك أننا قرأنا بأنه مغلق لترميمات تجري فيه، فضمنا زقاق يمتد بعده سِرنا فيه؛ إلى أن أشرفنا على ميناء رسو مراكب وقوارب الصيد، فرجعنا هابطين زقاقا بعد آخر؛ إلى أن لفظتنا البنايات القديمة إلى شارع يتفرع يمينا حيث مسجد مُتقن التصميم، والميناء الذي لم تظهر لنا منه مرافقه، أو ما يُلحق به من مكاتب، ويسارا حيث مطاعم وجبات السمك؛ المحاذية لقوراب الصيد. لم نتابع استكشافنا أبعد من شاطئ تضرب صخوره أمواج البحر بعنف؛ في ذلك اليوم من فصل البرد والرياح، فرجعت بنا أقدامُنا؛ فهي التي تقودنا، لأننا لم نُعيّن من قبل الأماكن التي نريد أن نذهب إليها، بمعنى آخر لم نحدد برنامجا بناء على معلومات نكون قد استقيناها من مصدر عن المدينة؛ أستمر فأقول: عندما عادت بنا أقدامنا؛ أحبت نفوسنا أن نمتع نظرنا في مراكب وقوارب الصيد والصيادين؛ كانت تلك راسية، وقليل من أولئِك كانوا على الرصيف، والدخول غير متاح، ولم ننظر إلى الميناء إلا من خلال عيون حاجز مضفور سلكها، فتحركت بنا مرة أخرى أقدامنا، ومررنا بين المطاعم، فلم نشم رائحة شيّ أو قلْي أو طهْي؛ ذلك أن العمال كانوا ما يزالون ينظفون المحلات، فغادرنا المكان إلى حين، وخطونا، وكان دكان صغير مركب وحافلة تقف أمامه مفاجأة لنا؛ ذلك أن فتاة الكشك التي زودتنا بمعلومات حول الحافلة الجميلة المظهر والنظيفة، فهي كما قالت تقلنا مع السائحين؛ في أرجاء المدينة؛ إذا أردنا، وأعطتنا مَطوِيتيْن فيهما برنامجين لرحلتين بثمنين مختلفين؛ استعظمنا الفكرة، لكننا لم نتشر أي من تذكرتي السياحة، لأنه لم يبق لنا من يومنا إلا وقتا نتغذى فيه، ونعود إلى محطة القطار، واكتفينا بأننا وعدنا نفسينا بأن أول ما نفعله في السفر التالي إلى طنجة هو أن نحجز مقعدين في هذه الحافلة، أو أكثر؛ إذا ما زاد عدد أفراد الرحلة في مستقبل الأيام، وبعد هذا لم يبق لنا إلا أن نتناول غذاءنا، هل قوائمنا هي التي استجابت لرغبتنا أم بطنينا؛ قد يكون عرْض سائق سيارة الأجرة هو الذي فتح لنا شهيتنا إلى السمك، ونبهنا إلى مطاعم ميناء الصيد، فقصدنا هذه؛ كنا طبعا عائدين في نفس الطريق، وكانت درجات ستهبط بنا إليها، فأسلمنا أقدامنا لها، وسمعنا كلمات الدعوة والترحاب من أكثر من عامل واحد؛ هل استجبنا إلى أحد منهم؛ أم سِرنا بين كراس وموائد ، وجلسنا على اثنين منها، أكان المطعم لواحد منهم أم لا؟ من طبعي لا ألبّي دعوة من يدعوني إلى مطعمه، واختار واحدا تميل إليه نفسي؛ بعد أن أفحصه بعيني، ويظهر لي مدى جودة خدماته.
كان أول ما قُدم لنا طبقان مملوءان عن آخرهما من الروبيان (القمرون)؛ ؛ وطبقان من الطماطم والبصل والخيار، فأكلنا ما احتوياه، وما تبين لي أن كمية ما هُيّء لنا هو غذاؤنا، فسألت ابني على ماذا اتفق مع مقدم الوجبات؛ أجابني بأنه قال له بأنه سيقدم لنا وجبة كافية من الأسماك، وفعلا فوجئت بطبقين آخرين يوضعان أمامنا، وبأكثر من أربعة أنواع من السمك، فأتيت على طبقي، أما ابني فلم يأكل إلا القليل، فدعوت أحد المنظفين فحمل الطبق الذي ما يزال ممتلئا وانتحى به مكانا غير بعيد، فقلت لآبني بأن هذا كثير، وسألته مرة أخرى: «فما ثمن ما قُدِّم لنا؟»، أجابني بكذا من النقود، فكان أقل ثمن نؤديه مقابل تلك الوجبة، وما لاحظت أيضا أن ما طُبخ لنا كان أنظف، فكان هذين ما سجلتمها عن عروسة الشمال، وكان سائق (الطاكسي) مُحقا فيما حاول إغراءنا به.
تكاد (طنجة) أن تكون فارغة؛ إلا من دائمي السكن فيها؛ في ذلك الوقت من السنة الذي سافرنا فيه إليها، وإلا لما كان أغلب كراسي الحافلة السياحية الجميلة فارغا، ولما لم يتغذ في مطعم الخير العميم إلا أنا وابني، ولم نر أحدا قادما إليها للأكل؛ إلا بعد زمن من جلوسنا؛ إذ أتى إليها فردان أو ثلاثة لا أذكر من كبار السن؛ كانت جميع المطاعم إلى حدود الساعة الواحدة نهارا خالية.
أهناك وقت آخر يفد فيه إليها عدد كبير؛ هو تقليد في المدينة؟
إذن؛ أيكون ما دفع ابني إلى الإسراع في مغادرة (طنجة)، واستبدال تذكرتي الإياب في ساعة موعد العودة بالقطار؛ كنا اخترناها؛ بتذكرتين أخريتين وبموعد آخر وبثمنين زائدين؛ هو هدوء المدينة وكأنها نائمة في سكون؟
هل كانت طنجة تتعافى، أو في فترة نقاهة بعد مرض ألم بها؟ الذي يدعوني إلى قوله بعد هذا التساؤل؛ هو أن ركوبنا إليها كان في شهر فبراير من سنة 2021م؛ بعد 2019 و2020؛ سنتا حجر جائحة (كورونا).
بعد عودتنا بالقطار (البراق) طبعا قبل مغيب شمس ذلك اليوم، وبعد خروجنا من محطة (الرباط) قلت لآبني: «لا يتطلب مني الذهاب إلى (طنجة) للتصييف في شاطئها؛ إلا قبعة حيكت بأوراق نبات الدوم الإبرية الشكل؛ تحمي رأسي من لفحات شمس الصيف الحارقة، وقميص قصير الأكمام ، وسُريْوِل قصير الأكمام أيضا، وشِبْشِب لَدِينِي لقدمَي، وفوطة على أحد كتفي؛ مُستقلاّ (البراق)، وأعود وقد سبحت في بحر (طنجة)، فوقت من شروق شمس الصيف؛ إلى هبوطها كاف لتستمتع بذلك، والدور في ذلك يعود إلى القطار السريع».
سُرّ ابني بالفكرة، وراقت له، فابتسم، ونابت عيناه وملامح وجهه عما كان سيقوله بعد كلامي ذاك.