د . صباح ايليا القس
ربما يتبادر الى الذهن ونحن نتفحص التاريخ الادبي القديم سؤال عن سر هذا الانقياد الى الشعر ولماذا هذا التهافت عليه والسعي للتميز بالشاعرية ؟
ضمن النظرية الشعرية العربية القديمة هناك إقرار بأسبقية الشعر على النثر ربما لان الشعر وخصائص الوزن والتطريب يكون اسهل حفظا وتداولا من النثر بل وسهولة روايته لذلك تجاوز الزمن وظل محافظا على تأثيره في المتلقين بوصفه وسيلة من ليالي المسامرات في المجالس ولاحقا في دواوين الخلفاء .
هذا لا يعني عدم تداول النثر لكنه محدود التأثير فلم تكن تعرف من النثر سوى بعض الامثال والخطب المتميزة وذلك لان لغة التداول هي لغة النثر الاعتيادية اي هي وسيلة التخاطب بين الناس حينذاك فلم يكونوا يجدون في النثر ما يملأ اذواقهم التي اعتادت على سيادة الشعر .
عالج القدماء النظرية الشعرية العربية ومن المؤكد ان كل واحد من النقاد اعطى تصورا وثبت رؤيته الخاصة بما يتضمن تعريفا للشعر او اعطاء صورة تشتمل على المفردات الشعرية لكن اكثر التعريفات تداولا هو ما جاء به الجاحظ الذي قال ( ان الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير ) بهذه الكلمات المختصرة رسم الجاحظ الحدود الشعرية التي يجب ان يلتزم بها كل من يجتهد ان يكون شاعرا وربما يظن بعض المثقفين ان الجاحظ نسي او تناسى الموهبة وهم اذ لم يذكرها فلأنها تعد من اساسيات الشعر وبديهياته فكيف يكون شاعرا من ليس لديه من الموهبة شيء .. لان الجاحظ اعطى المفردات التي تعين من يمتلك الموهبة لتطوير التجربة واغنائها وليس من يتكئ على الموهبة وحدها حتى اننا نجد المدارس الشعرية او التلمذة الشعرية كما يبدو ذلك واضحا في ما يعرف بمدرسة اوس بن حجر المعروفة التي انجبت زهير بن ابي سلمى وولده كعب بن زهير والحطيئة وغيرهم .
فهذا يعني ان المدرسة الشعرية حينها كانت تعتمد على التلقين والحفظ ونستطيع ان نقول ان زهير كان يروي شعر اوس وان كعبا كان يروي شعر ابيه زهير وان الحطيئة كان يروي شعر كعب ومعنى الرواية انه يحفظ شعر من علمه وكذلك شعر من سبقوه ومن نتيجة هذا الحفظ تكبر الحافظة الشعرية وعند الممارسة يتعلم فنون القول والترتيب فاذا كان حظه من الموهبة كبيرا واضيفت اليه المفردات والمعاني والتجارب اي الصناعة الشعرية صار شاعرا فيعرض بضاعته على اساتذته الذين يجيزونه بمعنى اعطاءه الشهادة واقرار بانه شاعر يضاف الى شعراء
القبيلة ..وهناك اصحاب الحوليات والحول هو السنة اذ كان بعض الشعراء ينظمون ( يصنعون ) قصيدتهم في اربعة اشهر ويصوبونها باربعة اشهر ويعلنونها باربعة اشهر فتكون سنة كاملة لانجاز القصيدة اولئك الذين اطلق عليهم النقاد اصحاب الحوليات ومنهم زهير بن ابي سلمى وهناك من يقول انه كان ينظمها في شهر ويصححها في المتبقي من السنة ..
من البديهي ان تكون هناك اعتراضات على هذا القول عند النقاد السابقين واللاحقين اذ يعني هذا القول الصناعة الشعرية مع خفوت نسبة الموهبة ومنهم من يقول ان الموهبة لوحدها غير كافية حتى عند القدماء ولا بأس من اعادة النظر والمراجعة واستبدال الالفاظ التي اصبحت قاسية او غريبة بعض الشيء كلما تقدم الزمن وشاعت الالفاظ الشفافة والواضحة والبسيطة .
هذا ما يخص المظهر الخارجي للنص بعد اضافة الوزن والقافية وشرط الالتزام بهما قالبا لفظيا لا يمكن تجاوزه ضمن المعايير المعروفة والاوزان المتداولة والقوافي المسبوكة حتى لو فرضت على النص فرضا لا سيما في القوافي الصعبة مثل قافية الظاء او الضاد او الطاء وغير ذلك .
تبقى للشعر ريادته وفرض ارادته ويبقى الناس يسعون لتعلم الشعر والسعي لحفظه وقوله وروايته وتعلمه ولن تغيب شمس الشعر امام شيوع الفنون الاخرى كالقصة والرواية .