جواد ملكشاهي
يجمع المتابعون للستراتيجية الصينية بأن هذه الدولة أضحت قوة عسكرية واقتصادية كبرى في العالم وتسعى من خلال تطورها التكنولوجي واكتساحها للأسواق العالمية التأثير على النفوذ الاميركي في العالم وتحجيم دورها، وفي عين الحال تحاول ان تكون اما القوة العالمية الأولى او انشاء نظام عالمي جديد ثنائي القطب او اكثر.
مع بدء الاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانية في شباط من العام الماضي، اتخذت معظم دول العالم مواقف متباينة بناءً على مصالحها وتحالفاتها الإقليمية والدولية، ورفضت بكين ادانة الاجتياح الروسي لأراضي اوكرانيا، مستشهدة بمحاولة توسع حلف الناتو كسبب رئيس للصراع بين الدولتين، وفي عين الوقت دعت بكين كل من موسكو وكييف للحوار وعرضت المساعدة للتوصل الى تسوية يضمن مصالح كلا الطرفين المتحاربين.
لقد بنت بكين موقفها من الحرب المذكورة على ثلاثة اعتبارات، الأول أهمية روسيا للصين في سياق التنافس مع واشنطن في مناطق الصراع والنفوذ في العالم، والثاني السعي من اجل عدم الاضرار بالعلاقات المربحة لبكين مع الغرب بشكل عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص، كون هذه الدول تشكل اسواقاً كبرى للشركات الصينية العملاقة في مختلف المجالات، والثالث هو التركيز الصيني على الستراتيجية الطويلة الأمد المبنية على تنمية العلاقات الوثيقة مع الدول النامية في العالم.
لاتزال الصين تعتمد على التجارة مع الولايات المتحدة واوروبا واليابان وتخشى من دعمها المفتوح لروسيا لاحتمال فرض عقوبات عليها من شأنها الاضرار بالاقتصاد الصيني، كل هذه المصالح دفعت بكين الى تبني موقف متوازن ازاء الحرب الروسية الأوكرانية.
أما الموقف الرسمي الصيني فقد اعلن عنه وزير الخارجية الصيني (وانغ يي) بعد حوالي شهر من بدء الحرب حيث أكد بشكل صريح ان الوضع في اوكرانيا لا يؤثر على علاقات الصين مع روسيا، مشدداً على اهمية روسيا كجار وصديق في مجلس الامن وشريك ستراتيجي رئيسي، واصفاً العلاقة بين بلاده وموسكو بالصلبة.
وشدد الوزيرالصيني على انه رغم خطورة الوضع الدولي من تبعات الحرب، إلا أن بكين وموسكو ستحافظان على علاقاتهما الستراتيجية والعمل المشترك على تعزيز الشراكة الشاملة وضمان المصالح المشتركة في جميع المجالات.
وبالرغم من الموقف الصيني المنحاز لروسيا، لكن المصالح الوطنية للبلدين لا تتطابق في جميع القضايا وترى الصين ان روسيا باعتبارها ثاني قوة عسكرية في العالم، فهي ايضاً تعدها منافسةً لها وعلى الصين التفوق عليها ضمن اهدافها الستراتيجية لتصبح القوة العالمية الكبرى او ايجاد نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
ومن جانب اخر ينبغي النظر الى العلاقات الصينية الأوكرانية ووضعها في الحسبان، بعد اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين في عام 1992 اذ اصدر الجانبان بيانات مشتركة ارست الأساس لشراكة ستراتيجية، حيث وقعا على معاهدة الصداقة والتعاون المشترك في عام 2013 واعلنت بكين من خلالها عن دعمها لجهود الحكومة الأوكرانية لحماية وحدة وسلامة أراضيها.
بناء على تلك الحقائق، فإن الموقف الصيني من الحرب الاوكرانية يتلخص بعدم التخلي عن موسكو كحليف ستراتيجي ومنافس للولايات المتحدة الاميركية التي ترى الصين انه آن الأوان لتحجيم دورها وقدرتها الاقتصادية والعسكرية في العالم ووضع حد لتفردها باللعب بالأوراق الدولية، وبالمقابل عدم خسارة السوق الأميركية والاوروبية كعنصر اساسي لتطوير وتنمية اقتصادها، كما لا يستبعد قيام بكين بوساطة بين موسكو وكييف لنزع فتيل الحرب، بعد ان يأست موسكو من تحقيق نصر سريع في الحرب، لاسيما ان الصين تحظى باحترام قادة البلدين لما يجمعهما من مصالح مشتركة، ومن جانبها روسيا تسعى لإنهاء الحرب حفاظاً على ماء وجهها كونها قوة عسكرية ثانية في العالم ولم يمكنها ذلك من حسم المعركة كما كانت تتوقع.