متابعة ـ التآخي
مع تصاعد التوتر بسبب الحرب في أوكرانيا تخشى بولندا من استعمال روسيا ورقة منطقة“كالينينغراد” الواقعة في قلب القارة الأوروبية لتسهيل عبور المهاجرين نحو أوروبا. فهل يمكن أن يصبح هذا الجيب الروسي بوابة عبور جديدة للمهاجرين؟
وجيب “كالينينغراد الروسي” هو مقاطعة إدارية تابعة لروسيا تقع في القارة الأوروبية لا تربطه أي حدود برية بها، وتحده من الشمال والشرق ليتوانيا ويطل على بحر البلطيق من الغرب ومن الجنوب بولندا، وتعد كالينينغراد من المناطق المهمة لروسيا عسكريا وجغرافيا وسياسيا.
في شهر تشرين الأول 2022، أعلنت روسيا عن فتح مطار كالينينغراد أمام شركات الطيران الأجنبية كجزء من سياسة “الأجواء المفتوحة”؛لكن هذا القرار أثار مخاوف السلطات في بولندا ورأت أن موسكو تسعى لاستعمال جيبها الاستراتيجي لتسهيل مرور المهاجرين من آسيا وأفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي تشرين الثاني، ردت وارسو على هذا الإعلان الروسي ببناء جدار يزيد ارتفاعه عن مترين على طول حدودها مع روسيا في كالينينغراد بهدف تأمين المنطقة، و أوضح وزير الدفاع البولندي ماريوس بلاشتشاك عندما أعلن عن بناء هذا السياج الحدودي الجديد قائلا “نريد أن نجعل هذه الحدود مانعة لتدفق جديد”.
ووفقا للسلطات البولندية، لم يكن هناك أي عبورغير قانوني لمهاجرين بشكل مباشر عبر كالينينغراد في شهر تشرين الأول، لكن التحقيق الذي أجراه صحفيين يعملون في الإذاعة العامة الألمانية، كشف أن المهربين ساعدوا مهاجرين من الشرق الأوسط في الحصول على تأشيرات روسية حتى يتمكنوا من الوصول إلى هذه الأراضي الروسية الصغيرة.
فضلا عن ذلك، أكدت وزارة الخارجية الألمانية، أن مهاجرين قادمين من روسيا مازالوا يواصلون عبور بيلاروسيا في محاولتهم لدخول الاتحاد الأوروبي قائلة “منذ عدة أشهر، لاحظت الحكومة الألمانية وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي زيادة في حركات الهجرة غير الشرعية عبر روسيا،وأبلغت لاتفيا وليتوانيا وبولندا عن حالات لأشخاص دخلوا بيلاروسيا بشكل غير قانوني مع تأشيرات روسية في جوازات سفرهم”.
ومنذ العام الماضي، أدى عبور مهاجرين بيلاروسيا لدخول الاتحاد الأوروبي إلى مقتل 21 شخصا في الأقل، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة و وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة؛ كما ان الحواجز الفولاذية والأسلاك الشائكة التي أقامها جيران بيلاروسيا الأوروبيون على طول حدودهم تؤدي بانتظام إلى حدوث إصابات خطيرة.
هذا ما أكدته الطبيبة بولينا بوفنيك التي تعتني بالمهاجرين في تلك المنطقة الحدودية بين بيلاروسيا وبولندا، التي تحدثت لصحفي أجرى تحقيقا عن مخاطر عبور الحدود، اذ قالت إنه ومنذ بناء الجدار على الحدود البولندية، “شاهدت المزيد والمزيد من كسور في الساقين وإصابات في الرأس. كما يظهر أن كثيرا من المهاجرين الذين عبروا من بيلاروسيا قد عانوا من العنف”؛ كما تحدثت عن حالات لأشخاص يعانون من سوء التغذية وآخرين يعانون من انخفاض حرارة الجسم في فصل الشتاء.
ووفقا للتحقيق الذي قامت به الإذاعة الألمانية، فإن المهربين يقومون بطمأنة المهاجرين في كردستان العراق، ويقولون لهم من أن تذكرة الذهاب إلى أوروبا عبر روسيا ستكلفهم 2500 دولار فقط، وقال أحد المهربين للإذاعة الألمانية “إذا كانت أوراقك موجودة، فسوف يستغرق الأمر 10 أيام للذهاب من موسكو إلى ألمانيا”. ويوضح بالقول، إن الطريق عبر كالينينغراد أغلى، اذ يكلف 14.500 دولار، لتغطية تكلفة الرشاوى المدفوعة للسلطات الروسية.
كما تمكن الصحفيون في الإذاعة الألمانية العاملون في التحقيق ذاته، من التحدث إلى مهاجر سوري يدعى آراس (اسم مستعار)، فر من كوردستان العراق إلى أوروبا عبر موسكو وبيلاروسيا؛ وبحسب آراس، كان المهربون قد وعدوه برحلة سلسة، لكنه الآن عالق في مينسك العاصمة البيلاروسية، ويقول “لا نعرف ماذا نفعل، إنهم لا يخبروننا بالحقيقة. قالوا لنا أن نمشي لمدة ساعتين، في النهاية، مشينا لمدة 20 ساعة”.
وفقا للتحقيق الذي بثته الإذاعة الألمانية، فإن المهربين يقدمون أسعارا مخفضة للمهاجرين الذين يجندون المزيد من “العملاء”، اذ يقدمون حوافز للأشخاص الراغبين باللجوء عن طريقهم، وبحسب التحقيق أيضا يشير مصدر إلى مقاطع فيديو للمهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى وجهتهم، التي يجري تداولها على طريق تطبيق تيلغرام. وبحسب وزارة الخارجية الألمانية فإنها لاحظت تواجد إعلانات على الشبكات الخاصة بالطريق إلى أوروبا عبر روسيا وبيلاروسيا.
ويعتقد كاي أولاف لانغ، خبير أوروبا الشرقية في المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة، أن روسيا تصدر تأشيرات لمهاجرين من الشرق الأوسط للضغط على دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؛ ويقول الخبير “والآن نرى أن كالينينغراد يمكن أن تكون شوكة في خاصرة الناتو”، ويردف “أعتقد أن النية الأساسية لموسكو هي زعزعة الاستقرار في هذه البلدان”.
ويشير المراقبون الى انه مع استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا زادت نسبة الهجرة السرية من روسيا إلى أوروبا مروراً ببيلاروسيا، ويوضح احد المهاجرين من الشرق الاوسط أن الشرطة والجيش البيلاروسيين لا يعترضان المهاجرين السريين في العاصمة مينسك؛ في الوقت نفسه، لا يمكن الذهاب إلى أي فندق بسبب عدم توفر التأشيرة البيلاروسية، باستثناء تلك المعروفة بكونها مخصصةً للمهاجرين السريين، وكلفتها عشرة دولارات أميركية، ويلفت المهاجرون الى انّ الجيش الروسي لا يتواجد على الحدود بين روسيا وبيلاروسيا؛ ويقول احدهم “لم أر أي نقطة تفتيش، وبعد عبورنا وركوب السيارة البيلاروسية، مررنا على أحد الكمائن للجيش البيلاروسي الذي لم يعترض طريقنا إلى مينسك”.