متابعة – التآخي
توصّلت بلدان العالم أجمع إلى اتفاق تاريخي يوم الإثنين (19 كانون الأول 2022) في مونتريال بكندا للجم تدهور التنوع الحيوي وموارده التي لا غنى عنها للبشرية.
وبعد أكثر من أربع سنوات من المفاوضات الصعبة وعشرة أيّام وليلة ماراتون دبلوماسي، توصّلت أكثر من 190 دولة إلى اتفاق برعاية الصين رئيسة مؤتمر الأطراف “كوب15″، بالرغم من معارضة جمهورية الكونغو الديموقراطية.
وترمي “معاهدة السلام مع الطبيعة” هذه المعروفة رسميا باسم “اتفاق كونمينغ-مونتريال” إلى حماية الأراضي والمحيطات والأصناف من التلوّث والتدهور والأزمة المناخية.
واتّفقت البلدان بالأخص على خارطة طريق تضمّ، في جملة أهدافها، حماية 30 % من الكوكب بحلول 2030 وتخصيص 30 مليار دولار من المساعدات السنوية للبلدان النامية في جهودها لصون الطبيعة.
وقال هوانغ رونتشيو الرئيس الصيني للمؤتمر، في الجلسة العامة التي أقيمت ليلا بتوقيت مونتريال “اعتمُد الاتفاق” قبل أن يعلن رفع الاجتماع وسط تصفيق حارّ من المندوبين الذين بدت عليهم ملامح التعب.
وصرّح ستيفن غيلبو وزير البيئة في كندا التي استضافت المؤتمر “خطونا معاً خطوة تاريخية”.
وقُدّم أشهر إجراء اعتمده المؤتمر في جملة إجراءاته العشرين والقاضي بإنشاء مواقع محمية على 30 % من مساحة الكوكب على أنه يضاهي بأهمّيته في مجال التنوع البيولوجي هدف اتفاق باريس الرامي إلى حصر الاحترار المناخي بـ 1,5 درجة مئوية. وتعدّ راهنا 17 % من الأراضي و8 % من البحار مناطق محمية؛ ويوّفر أيضاً الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه ضمانات للسكان الأصليين الذين هم أوصياء على 80 % من التنوع البيولوجي المتبقي على الأرض. وتوصي الوثيقة بترميم 30 % من الأراضي المتدهورة والحدّ إلى النصف من المخاطر المرتبطة بمبيدات الآفات.
وفي مسعى إلى حلّ المسألة المالية التي ما زالت محطّ جدل بين بلدان الشمال والجنوب، اقترحت الصين أن تصل المساعدة الدولية السنوية المخصصة للتنوع البيولوجي إلى “20 مليار دولار في الأقلّ” بحلول 2025 و”30 مليار دولار في الأقلّ بحلول 2030″.
ويوماً بعد يوم، تتزايد مخاوف العلماء من التأثيرات الكارثية لارتفاع حرارة كوكب الأرض والتغير المناخي. ومؤخراً، حذرت دراسة جديدة نشرت بعض خلاصتها صحيفة الغارديان البريطانية من أن الاحتباس الحراري قد يتسبب في حدوث تغيير جذري في محيطات العالم لدرجة قد تهدد بانقراض جماعي للأنواع البحرية ليصبح الانقراض الأكبر من نوعه في تاريخ كوكب الأرض.
ويتسبب تسارع تغير المناخ في إحداث تأثير “عميق” على النظم البيئية للمحيطات، قد يؤدي إلى تزايد مخاطر الانقراض، بحسب العلماء الذين يقولون إن الأمر قد يبدأ في الحدوث مع انخفاض الثراء البيولوجي والتنوع البحري وهو ما لم يحدث في تاريخ الأرض منذ عشرات الملايين من السنين.
وترتفع درجة حرارة مياه البحر في العالم بشكل مطرد بسبب حرق الوقود الأحفوري، وانبعاثات النشاطات الصناعية فيما تنخفض مستويات الأكسجين في المحيط وتتزايد حموضة المياه بسبب امتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
ومع ارتفاع حرارة المحيطات تنخفض نسب الأكسجين بشكل يؤثر على قدرة الكائنات البحرية على التنفس وان تضاعف حجم مياه المسطحات المائية المستنفدة من الأكسجين بقدر يصل إلى 4 مرات منذ ستينات القرن العشرين؛ و لم تعد كائنات كالمحار وبلح البحر والجمبري قادرة على تكوين أصداف بشكل صحيح بسبب ارتفاع حموضة المياه، كما اختنقت الأسماك في عشرات الأماكن. هذا يعني أن الكوكب يمكن أن يصل لمرحلة “انقراض جماعي” للكائنات البحرية، بحسب العلماء.
تقول الدراسة المنشورة في مجلة ساينس Science إن ضغوط ارتفاع حرارة البحار والمحيطات وفقدان الأكسجين تذكر بحدث الانقراض الجماعي الذي حدث منذ نحو 250 مليون عام وأدت هذه الكارثة، المعروفة باسم “الموت الكبير”، إلى زوال ما يصل إلى 96٪ من الحيوانات البحرية من على كوكب الأرض.
يشير البحث الجديد إلى أنه قد يجري الوصول إلى مستويات انقراض كارثية إذا أطلق العالم غازات الدفيئة بشكل غير مقيد، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بأكثر من 4 درجات مئوية من متوسط درجة الحرارة التي كانت عليها الأرض في أوقات ما قبل الصناعة وذلك بحلول نهاية القرن الحالي، و من شأن ذلك أن يؤدي إلى انقراض أنواع حية قد تعيد تشكيل الحياة في المحيط لعدة قرون أخرى.
لكن حتى في أفضل السيناريوهات، لا يزال العالم على وشك فقدان جزء كبير من الحياة البحرية. فعندما ترتفع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين بأعلى مما كانت عليه قبل عصر الصناعة، وهو ما يُتوقع أن يحدث حتى في ظل التعهدات المناخية الحالية من قبل حكومات العالم، سيجري القضاء على نحو 4 ٪ من إجمالي نحو مليوني نوع من الكائنات البحرية في البحار والمحيطات.
ووفقًا للدراسة، تعد الأسماك والثدييات البحرية التي تعيش في المناطق القطبية أكثر عرضة للخطر، لأنها لن تكون قادرة على الهجرة إلى المناخات الأكثر برودة، على عكس الأنواع الاستوائية، ولن تجد تلك الكائنات مكانا تذهب إليه؛ و يؤدي خطر تغير المناخ إلى تعاظم الأخطار الرئيسة الأخرى التي تواجهها الحياة المائية، مثل الصيد الجائر والتلوث. ووجدت الدراسة أن ما بين 10٪ و 15٪ من الأنواع البحرية معرضة بالفعل لخطر الانقراض بسبب هذه التهديدات المختلفة بحسب بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
يقول العلماء إن مستقبل الحياة في المحيطات يعتمد بقوة على ما نقرر فعله مع غازات الدفيئة اليوم؛ وبناء على ذلك سيتحدد شكل المحيطات في المستقبل: إما مساحات مائية شاسعة شبه خالية من أي حياة أو محيطات تحتفظ بما بها من كائنات بحرية، يعتمد ذلك على نجاحنا في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.