متابعة ـ التآخي
عاد اليساري لولا دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل بعد تفوقه على منافسه الرئيس المنتهية ولايته ممثل اليمين المتطرف جايير بولسونارو في جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية.
فبعد حملة مثيرة للانقسام شهدت تنافسًا بين خصمين لدودين على طرفي نقيض من الطيف السياسي، فاز لولا بنسبة 50.9 في المئة من الأصوات. وكان ذلك كافيا للتغلب على جايير بولسونارو، وسيؤدي اليمين رئيسا للجمهورية في الأول من كانون الثاني 2023.
وقال لولا دا سيلفا، في كلمة أمام حشد من أنصاره في ساو باولو، إن فوزه في الانتخابات بمنزلة انتصار للديمقراطية.
وحث السكان على الوحدة بعد حملة انتخابية محتدمة. وتعهد بالعمل على محاربة الفقر وحماية غابات الأمازون.
ولم يقر منافسه بولسونارو بالهزيمة، ولكن قادة عدد من الدول سارعوا بتهنئة دا سيلفا، الذي كان رئيسا في المدة بين عامي 2003 و2010.
وهنأ الرئيس الأمريكي جو بايدن دا سيلفا بالفوز في السباق الرئاسي. كما أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تطلعه لإحياء “علاقات الصداقة” بين فرنسا والبرازيل.
ويلفت المراقبون الى انها عودة مذهلة لسياسي لم يتمكن من الترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2018، لأنه كان في السجن ومُنع من الترشح للمنصب.
وأدين دا سيلفا بتلقي رشوة من شركة بناء برازيلية، مقابل عقود مع شركة النفط البرازيلية بتروبراس، ونفى ذلك في حينه، وأمضى 580 يوما في السجن قبل إلغاء إدانته، وعاد إلى المعركة السياسية.
وقال دا سليفا في مستهل خطابه للفوز “لقد حاولوا دفني حيا وها أنا ذا”.
وأشارت استطلاعات الرأي منذ البداية إلى أن دا سيلفا سيفوز في الانتخابات، ولكن عندما كان تقدمه في الجولة الأولى أقل بكثير مما كان متوقعًا، بدأ العديد من البرازيليين في الشك في دقة تلك الاستطلاعات.
وكان مؤيدو جايير بولسونارو – الذين شجعتهم مزاعم مرشحهم بأن “المؤسسة” ووسائل الإعلام ضده، وبالتالي يقللون من دعمه – يثقون تمامًا في فوزه.
ويقول باحثون سياسيون، ان انتصار قادة اليسار من المرجح أن يثير غضب جماهير بولسونارو، الذين يصفون لولا بشكل روتيني بأنه “لص” ويجادلون بأن إلغاء إدانته لا يعني أنه بريء وإنما يعني فقط أن الإجراء القانوني المناسب لم يتم اتباعه، بحسب قولهم.
وفيما خسر جايير بولسونارو، فاز المشرعون المقربون منه بأغلبية في الكونغرس، ما يعني أن لولا سيواجه معارضة شديدة لسياساته في الهيئة التشريعية.
لكن دا سيلفا، الذي خدم فترتين في المنصب بين كانون الثاني 2003 كانون الأول 2010، ليس غريبا على تشكيل تحالفات سياسية.
واختار دا سيلفا منافسه السابق غيرالدو ألكمين، الذي خاض الانتخابات الرئاسية ضده عامة 2006، لمنصب نائب الرئيس في حملته الانتخابية.
ويظهر أن استراتيجيته في إنشاء بطاقة “الوحدة” قد آتت ثمارها وجذبت الناخبين، الذين ربما لم يفكروا بخلاف ذلك في الإدلاء بأصواتهم لحزب العمال الذي ينتمي إليه.
وفي خطاب فوزه استعمل دا سيلفا نبرة تصالحية، قائلا إنه سيحكم لصالح جميع البرازيليين وليس فقط أولئك الذين صوتوا لصالحه.
وقال “هذا البلد يحتاج إلى السلام والوحدة. هذا الشعب لا يريد القتال بعد الآن”.
ولم يُقِّر جايير بولسونارو بالهزيمة عند اعلان النتائج؛ وكانت الحملة الانتخابية محتدمة جزئيا لأن الرئيس اليميني المتطرف شكك – من دون تقديم أي دليل – حول موثوقية نظام التصويت الإلكتروني في البرازيل. وأثار هذا مخاوف من أنه قد لا يقبل النتيجة إذا كانت ضده.
وقبل يوم واحد من الجولة الثانية، قال بولسونارو “ليس هناك أدنى شك. من لديه عدد أكبر من الأصوات، سوف يأخذها (الانتخابات). هذا ما تعنيه الديمقراطية”.
وفي يوم الانتخابات نفسه، أوقفت الشرطة الحافلات التي تقل الناخبين إلى صناديق الاقتراع في ما وصفته حملة لولا بأنها محاولة لمنعهم من التصويت.
وأمر رئيس المحكمة الانتخابية، ألكسندر دي مورايس، شرطة الطرق السريعة برفع جميع الحواجز وعمليات التفتيش.
وقال إنه فيما جرى تأخير بعض الناخبين، لم يتم منع أي منهم من التصويت. لكن الحوادث أثارت التوترات بشكل كبير.
الآن، هناك الكثير من التوقعات بشأن ماذا ومتى سيقول بولسونارو بشكل رسمي بشأن عدد الأصوات.
ولم تتم مراقبة هذه الانتخابات عن كثب في البرازيل فحسب، بل في الخارج أيضا، مع قلق نشطاء البيئة بشكل خاص من أن أربع سنوات أخرى من حكم بولسونارو كانت ستؤدي إلى مزيد من إزالة الأشجار في غابات الأمازون المطيرة.
وأشار لولا إلى هذه المخاوف في خطاب الفوز الذي ألقاه، قائلا إنه “منفتح على التعاون الدولي لحماية الأمازون”.
وأضاف في تلميح عن منافسه “اليوم نقول للعالم إن البرازيل قد عادت. إنها أكبر من أن يجري نفيها إلى هذا الدور المحزن كدولة منبوذة عالميا”.
لكن في صميم خطابه كان هناك وعد بالتصدي للجوع، الذي يتزايد في البرازيل ويؤثر على أكثر من 33 مليون شخص.
وكان مفتاح شعبية لولا في فترتي رئاسته السابقتين هو انتشال ملايين البرازيليين من براثن الفقر.
لكن في اقتصاد ما بعد جائحة كورونا، لن يكون توفير الموارد المالية المطلوبة لإعادة تكرار هذا العمل الفذ مهمة سهلة، بخاصة إذا عرقله كونغرس معارض، بحسب المراقبين.