المعاصرة والموضوعية في الرؤية الشعرية

د . صباح ايليا القس

بدأت ملامح التطور الشعري تظهر في قصائد الشعراء بحسب اغلب المصادر عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .. ولا بد من القول ان تخلخل الوضع السياسي وشيخوخة الامبراطورية العثمانية من اسباب النهوض الادبي لان الشعر كما قلنا ونقول لا يمكن عزله عن الحركات الاجتماعية واحداث العصر التي تشمل النشاط الثقافي المعبرعن الوضع السياسي والاجتماعي وحتى الانفتاح الديني .
لا يمكن فصل النشاط الادبي والشعري على وجه الخصوص عن حركة التاريخ ولا سيما النهوض المعرفي الذي فرضته الحركة الثقافية عن طريق دخول المطابع وانتشار الصحف وبدء مرحلة الترجمة والأهم من كل ذلك النشاط التعليمي وانتشار المدارس وارسال البعثات للدراسة في الخارج ونقل صورة المجتمع الاوربي المنفتح ومقارنة ذلك مع الوضع الاجتماعي العربي الذي كان يعطل نصف المجتمع عن طريق تجهيل المرأة التي هي المدرسة الاولى .
ان اية محاولة للمعاصرة والتجديد لا بد ان يكون لها شيء من الموضوعية فالتاريخ الشعري العربي القديم يقوم على احترام الوزن والقافية واعتماد البحور الشعرية والسياقات الاخرى في الصياغات الصورية والقياسات البلاغية فضلا على الموضوعات التي تتواءم مع الذائقة العربية التقليدية ومعنى هذا ان امور التطور العصري يجب ان تمر بمراحل وتتدرج في صناعة التطور بما يجعل المتلقي يقبل التغيير ويتفاعل معه .
عند دراسة الشعر العربي القديم نجد لمحات من التطور اللغوي والفكري والموضوعي ولاحقا الثورة الشعرية التي جاء بها شعراء الاندلس نظرا لتجاوبهم مع الحياة العصرية وانتشار الغناء والموسيقى وتلاقح الشعب العربي مع شعوب المنطقة والافادة مما عند شعرائهم من ابداعات فنية واسلوبية .
كذلك لا يمكن ان ننسى ما جادت به قريحة شعراء المهجر بوصفه ظاهرة جديدة على الشعر العربي مستذكرين جبران خليل جبران وايليا ابو ماضي وجماعة آل معلوف ثم جماعة الديوان المصرية مثل المازني والعقاد وغيرهم الذين عرفّوا الشعراء الشرقيين بما عند المغتربين والاوربيين من مضامين جديدة ممثلة في الثورة على التقاليد المعروفة في الاوزان والافكار والمضامين والصياغات التقليدية التي اجتهد الكثيرون للخلاص منها وتحرير الشعر من قيودها الثقيلة ..
وحيث ابتعد الشعر والشعراء عن التقليد المعروف استغرق بعضهم النشاط العاطفي ( الرومانسي ) الذي يشتمل على النشاط الحلمي حيث بدأ الشعراء يبتعدون عن الواقع المؤلم ليعيشوا حالة من الضياع والهيام في الاوهام على الرغم من الاساليب الرقيقة والالفاظ الرشيقة التي اعتمدها اغلبهم التي نجدها في جماعة ( ابولو ) الشعرية .
ان انغلاق الشاعر على نفسه في ذاتية رومانسية جامدة ادى الى نوع من السوداوية والاغتراب عن الواقع والعيش في عوالم ليست لها علاقة بالواقع المؤلم الذي عاشته الدول العربية لا سيما بعد الحرب العالمية الاولى وتقسيم الوطن العربي الى دول او دويلات تخضع للاستعمار الاجنبي ما اصاب الحياة الثقافية ولا سيما الشعر بالبرود والحزن بسبب تجاوزات المستعمرين ..
كان لا بد من الخروج من الازمة والبحث عن الحرية والخلاص من ذل المستعمرين والدعوة الى النضال والجهاد ضد المستعمر بغض النظر عن جنسه ودولته ..
اصبحت دعوات النضال لاحقا مسألة مهمة تصدى لها الشعراء يحفزون الناس ضد الظلم وابتدأت الالفاظ والاساليب تتناغم مع روح الجماهير وثقافتهم بحيث تأسستْ اساليب جديدة وافكار مستحدثة تسعى كلها قولا وفعلا لاحداث تجديد يشتمل على ما يلبي الحاجة الفكرية ويسّهل امر القول الشعري فكانت بدايات الشعر الحر الذي كان استجابة لكسر الجمود وبعث التحرر على يد السياب ونازك بصورة خاصة ومن عاصرهم من المبدعين لاحقا .

قد يعجبك ايضا