“بعد أن كَبُر الموج” والقبض على ناصية اللّغة/2

 

رباب سرحان

 

إنّ حادثة فقدان الابن هدَّتها وتركت شرخًا كبيرًا في روحها وحزنًا مزروعًا في قلبها. فقد فارقها وأهداها الحزن، ومناديل الرّحيل، وذاكرةً من أشلاء صُوَر ٍمعلّقة على الحائط (فوق سرير أبيض، ص 94). هذه المأساة تأخذ حيّزًا بارزًا في هذه المجموعة حيث تُصوّر الكاتبة كيف ترك رحيله جرحًا عميقًا نازفًا وصمتًا قاتلًا وصرخة مخنوقة وغصّة موجعة ومؤلمة تُعبّر عنها بكلمات مشحونة بالألم والغضب والّلوم والتّساؤلات والقهر والخيبة، تُقطّع الفؤاد وتُدمع العين. فبرحيله تَرَك أمًّا مكلومة فقدت كلّ أمل في الحياة. فالموت أخذه بسرعة خاطفة حتى أنّها “لم تعلم كيف سبقها إليه مُحتفلًا بالأسوَد، ولم تعلم كيف تدلّى عنق النّجم، ولم تُسعفها خطواتها لتحتضن وجهه” (هودج الأحزان، ص 107). تقول: “لم يمهلني الموت كي أُسرع وأحتضن جسدك المسجّى فوق الأرض، والعيون الجاحظة التي لا ترحم تبتعد دون مبالاة.. لم تمتدّ يداي لتلامسك، ولم أهمس لك بما كنت أريد قوله قبل الوداع الأخير..” (لوم، ص 64). وتلوم نفسها وتنتقد تخاذل المجتمع الذي يتغاضى عن جرائم القتل التي تحصل: “ألومني، إذ لم أملك القدرة على انتزاع الحقّ، أو إطلاق صرختي ضدّ الباطل. طال صمتي وخيّم الليل على قلمي واختنق، كي لا أكسر عصا الطّاعة.. في مجتمع مزيّف، انعدمت فيه العدالة الاجتماعيّة والإنسانيّة..” (لوم، ص 65). وهي تعتبر أنّ الدنيا فانية، وما حدث لابنها يُثبتُ أنّ لا وجه حقّ فيها ولا عدل ولا ميزان (هودج الأحزان: ص 106). ولكن، سرعان ما تتنبّه إلى ضرورة أن تُلملم حزنها وخطورة أن تسمح للغضب أن يقودها إلى حيث لا تريد ولا ترغب. فنراها تُحكّم عقلها وتُصفّي قلبها وتنظر إلى الحياة بعين التّفاؤل والاستمرار، ليس تراجعًا أو ضعفًا أو استسلامًا، بل من موضع قوة وتحدًّ وإصرار وبوعيٍ بدورها كأمّ وشاعرة وكاتبة ومثقّفة تحمل على عاتقها واجبًا اجتماعيًّا يقضي بالإصلاح والتّوعية والتّثقيف. تقول: “هذه الأصابع العشر المجبولة بدمك، ستُضيئ من أجلك قناديل َالأمل والمدى الطويل. سأستمرُّ ولو سرت وحدى فَرْدى. إنّه زماني الخطأ” (لوم، ص 67). تشعر أنّها خُلقت في زمان لا يناسبها ولا يتوافق مع مبادئها وقناعاتها، وفي مجتمع يضيق على أفكارها وتطلّعاتها وطموحاتها وقدراتها وأحلامها. ولكنّها، ومن أجل ابنها، ستستجمع قواها وستُضيئ قناديل الأمل وستستمرّ على الطّريق التي تؤمن بها وستتحدّى وتُواجه، وستعمل على أن تكون الحياة أفضل، وأن تسود المجتمعَ قِيَمُ الحقّ والعدل والإنسانيّة.

 

أمّا قصّة “شغف” فهي سيرة ذاتيّة، تُعيدنا فيها الكاتبة إلى بدايات شغفها بالقراءة والكتابة. فتُحدّثنا بسرد جميل شائق عن شدّة تأثير قراءاتها لمؤلّفات جبران خليل جبران على مسيرتها الأدبيّة. حيث كانت تقرأ داخل شجرة الرمّان في كرمهم، وقد أخفت عشقها هذا للقراءة خوفًا من ردّة فعل أهلها وأمّها بالذّات. تقول: “سترتُ السّرّ وعراء فكري، داخل شجرة الرمّان التي علق لونها بذهني، وطعمها بحلقي، كالفرح المغرّد النّابت داخل العتمة، يتفتّح على شكل حبيبات من الرمّان المتورّد. خشيتُ من إفشاء عشقي لجبران السّماويّ الذي أهداني أوّل وردة محبّة، وبعث بي روحًا متمرّدة، وعرائس مروج، ودمعة، وابتسامة، وعواصف، وموسيقى، ورملًا وزبدًا..” (ص 21). وتتذكّر حين ابتاع لها والدها ما اختارته من كتب، وكيف أدمنت في ريعان صباها مكانًا تُفرغ فيه شهوتها ومتعتها المجنونة في القراءة، وراء صخرة قرب البحر في حيفا حيث كانت تتحايل على جارتهم لتقلّها معها وتحلّفها أن لا تخبر أمّها وإخوتها، وكيف ازداد خوفها وصراعها الدّاخليّ حين تحوّل شغفها بالقراءة إلى عشق الكتابة. هذه الصّخرة التي شهدت قراءات الكاتبة الأولى، والتي تذكرها الكاتبة في أكثر من قصّة، تؤكّد قول غاستون باشلار في كتابه “جماليّات المكان”: “إنّ المكان لا ينطوي على البيوت والأثاث فحسب، بل يحمل ذاكرتنا وأرواحنا وأحزاننا”. أمّا الأم والأهل هنا، فيُمثّلون التحدّيات والعوائق الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة، والاعتراضات الحادّة التي تُواجهها المرأة الكاتبة وتعرّضها لحيّز ضيّق من الحريّة الإبداعيّة حين تصطدم مباشرة بتقليديّة المجتمع العربيّ التي تصبح عائقًا أمام حريّة الفكر والإبداع. هذه التحدّيات وصعوبة مواجهتها تُعبّر عنها بقولها: “كسرتُ عصا الطّاعة، فلم تسكن العاصفة وتمهلني، بل صفعتني بقسوتها. لامست قدماي الأرض، ولم يُحلّق النّسر الذي أوهمني بالتّحليق معه، فالتّحليق لا يليق بالأرض، بل مكانه السماء.. رفعت عنقي قليلًا، ووجدتني بين سوط وجلاد.. ابتلعتني اللّعنات، صفّق الجبناء حولي، بينما شظايا الانكسارات اخترقت جسدي، والنسر هوى!” (ص 25).

 

في قصّة “بعد أن كبر الموج” توظّف الكاتبة تقنيّة “الميتا كتابة” أو “الميتا قصّ”. ففي الوقت الذي يُتخيّل للقارئ أنّ الرّاوية تتحدّث إلى الرّجل الذي تُحبّ وتصف شدّة تأثيره عليها وما يُثيره فيها من أحاسيس ومشاعر، وكيف يُحاصرها ويُطوّقها ويصلب ظلّه فوق صدرها، سرعان ما يكتشف، بعد أربع صفحات، أنّها تخاطب الشّعر والكتابة وتتحدّث عنهما. فحبّ الكتابة فاض بها وتملّك أحاسيسها، ولم يعد بإمكانها التخلّص منه ومنعه عن التّدفّق والانسياب: “تلهث أنفاسي، وأدري أنّني أستسلم لسحرك العارم. حين دسستُ رائحتك بين خصلات شعري لأوّل مرّة، تجوّلتُ، تابعتَ خطواتي المهرولة، تجوّلتَ معي في شوارع المدينة ]…[ حاولتُ رميك في البحر، كما أرمي حاجيّاتي القديمة، فتصطادني أفكارك، وتحتال كصيّاد ماهر على سمكة البحر. أُقاوم الطُّعم، أرنو من صخرة شهدتْ قراءاتي الأولى، وامتصّت نهدَ الرّمال، وأُقرّر.. أقرّر أن لا أتبعك.. أقرّر أن أدخل غرفتي الصّغيرة المتعمشقة على جدرانها أحلامي الورديّة، ويسكنني ليلي لوحدي.. فلماذا تصلب ظلّك فوق صدري؟ لماذا تحاصر خاصرتي بيديك القويّتين؟ لماذا تُطوّق عنقي بسلسلة النّهايات، وأنا أمقت القيد؟”. “راحتُك تتسلّق أعلى الجبين، تحضن رعشتي، تنقبض بين أصابعك، أشمّ رائحة عطرك المميّز وأُجنّ.. يا من عشقته روحي، وتراخى الانتظار لصهيل حوافره.. يا صاحب العشق المجنون، والسّفر المجنون، والليل المجنون، طيفك يتمطّى في سريري اليتيم.. تهطل فوق مساحة جسدي رغبتك المستفزّة، وماء جنونك، وتُفرغ في كأس مناي عصارةَ لقاحك” (ص 60). وعندما وقعت هذه الأوراق التي دوّنت عليها الكاتبة ما امتلكته الرّوح من متعة وما احتضنتْه من حلم، في يدي أمّها، نهرتْها: “تعالي يا بنت، بدّك تفضحينا في البلد؟ بعد ناقص تحبّي من ورانا”. ولمّا أرادت الدّفاع عن نفسها، صاحت بها: “اصحي بيّك يسمعك. يا خسارة تربيتي فيك”. وبكلمات تفيض بالعاطفة والصّدق تقول لأمّها: “حبّي للكتابة والقراءة ليس بيدي يا أمّي. كيف باستطاعتي أن أترك قطعة منّي، بعد أن كبُر الموجُ بداخلي؟ بعد أن بنت العصافيرُ أعشاشها بين ضلوعي، لتعيش بأمان؟ كيف؟ هل تفهمينني يا أمّي؟” (ص 63).

 

عن الجانب الجماليّ في هذه المجموعة، كنتُ قد تحدّثتُ في بداية المداخلة، ولكنّي أعود وأُشدّد على أنّ الكاتبة اهتمّت أن تبتعد عن السّرد الجافّ وأن تكتب بلغة شعريّة تتميّز بالكثافة والإيحاء، عبر توظيف تقنيّات مختلفة كالاستعارة والمجاز والاسترجاع والتي من شأنها أن تُضيئ أعماق الشّخصيّة ودواخلها، إذ تتّسم غالبيّة جملها بالتّساؤلات التي تعبّر عن أزمة البطلة، وبخطاب يوحي برفض واقع الأنثى المسحوقة. وتجدر الإشارة في هذا السّياق، إلى أنّ هذه اللّغة المكثّفة، والتي حقيقة أبدعت فيها هيام قبلان، لفّت بعض القصص بالغموض واستدعت قراءتها أكثر من مرّة والوقوف عند كلّ معطى وروابطه مع المعطيات الأخرى للوصول إلى فهم القصّة.

أمثلة مُختَصَرة تُبيّن جمال اللّغة: “تُحملق بجسدها المتكوّر الرّاجف، ترتطم بجسد آخر، تحسّه، يتصاعد شهيقه، تفكّ أزرار خوفها، وتلفّ ثوبها حول جرحه النّازف” (أشتهيك يا موت)، “يلتفّ الحزن حول عنق البحر، يُطوّق الرمال وهمس الموج.. ساكنة هي مدينة الحلم… منذ فجر صارخ، لم يقذف البحر أحشاءه، لا بسمكة ولا بمحارة. كلّ شيء يتخدّر، وصخور تخبّئ سرًّا، ونقشًا، وذكريات”. (ص 68). “ولم ينته الحزن. قد نشلحه على جدار حديقة، تنبت من ضلعه زهرة. قد يورق في نيسان، ويرتدي زرقة البحر وربيع الغيث. قد يسافر بنا إلى حيث كان الوقت يزحف مستجديًا عيون السماء، أن ترفق بنا ولا تنسانا”. (ذاكرة العسل المرّ، ص 70).

ميزة أخرى نجدها في لغتها هي ارتباطها بالجسد. وحول هذه القضيّة في أدب المرأة الكاتبة كُتب ونُظّر الكثير، من مُنطلق أنّ المرأة لا تكتب كما يكتب الرّجل، وإنّما تملك لغة خاصّة مرتبطة بالجسد ومأخوذة من عالمها (تأنيث اللّغة): “لامست عنقها الملتوي، شعرت بوخز ألم بين فخذيها، زحفت إلى الحمام، لتزيل قاذورات لعابه اللّزج فوق حقلها المصفرّ..” (أشتهيك يا موت، ص 30)، “يفرد اللّيل فخذيه متراخيًا على سرير يئنّ…”، “نهداها الهَرَمان المكوّران بلون الكرز يستفزّان شبقه، ساقاها النّاعمتان كعمودَي رخام ثلجيّين و.. كلّ ما فيها يثير ذكورته الذّئبيّة” (خطيئة، ص 110)

وأخيرًا،

إنّ جوهر الإبداع الأدبيّ الفنيّ، هو التّجربة الشّعوريّة التي تدفع الأديب إلى محاولة التّعبير عنها تعبيرًا محسوسًا. وهيام قبلان في مجموعتها هذه نجحت في قدرتها الفائقة على الإحساس بأبطالها والتّعبير عنهم بصدق وبراعة، كما نجحت في استقطاب المتلقّي وشدّه وفي اختراق قلبه وعقله، وجعله متعاطفًا وشريكًا معها في مشاعرها وأفكارها ومواقفها، عبر جماليّات النصّ وملامسته للوجدان. ولعلّ الجماليّة الأبرز والأقوى أثرًا تمثّلت في توظيفها للغة شعريّة مكثّفة، مشحونة بالعاطفيّة، تتميّز بالقوّة والعمق وبغنى الدّلالات وبقدرتها على النّفاذ إلى عمق الوجدان واستهداف البعد الإنسانيّ في الإنسان. وعليه، تبقى اللّغة، في رأينا، سيّدة هذه المجموعة وهي التي خَلَقَت قيمتها الجماليّة الفنيّة. أمّا هيام قبلان، فتبقى الشّاعرة والأديبة المبدعة المتميّزة والمتمكّنة من أدواتها الإبداعيّة. ورغم ما مرّت به من ظروف صعبة وخيبات وتحدّيات شاركَتْنا بها في هذه المجموعة، إلّا أنّها، كما نراها أمامَنا، ظلّت قويّة ومبتسمة ومُصرّة على أن تلمح الجانب المشرق للحياة، وبقيت متفائلة آملة بغد أفضل سيأتي، ومتمسّكة بحريّتها في القول والكتابة والحياة لأنّها امرأة تمقتُ القيد، كما قالت، وتأبى أن تعرف أحلامُها الحصار.

 

قد يعجبك ايضا