الحرية الشعرية      

 

د . صباح ايليا القس

 

الحرية بمفهومها العام لا تعني الانفلات والفوضى والتخريب الى ما هناك من الفاظ تتعارض مع الانظمة والقوانين التي يقررها القانون او يتمسك بها المجتمع او يتعارف عليها من دون قوانين لا سيما في العصور القديمة وقبل تدجين الانسان وضبط سلوكه وافعاله تحت راية القانون كما فعل حمورابي في مسلته وكذلك فعلت الشعوب الاخرى التي اخذت المدنية والحضارة والتطور والتقدم طريقها الى تنظيم التعاملات اليومية بين الانسان واخيه الانسان وبين الانسان وما يحيط به او يتعامل معه من جماد وحيوان .

القوانين التي التزم بها الانسان تعني تنظيم السلوك ولا تعني بأي حال من الاحوال القيد والعبودية فاذا كان هذا في يتعلق بالحقوق والواجبات فهل يمكن ان يتحرر الشاعر من الالتزامات التي تعارفت عليها الاجيال التي سبقته ؟

نعم يقال انه يحق للشاعر ما لا يحق لغيره .. فهل يعني هذا ان الشاعر خارج الانظمة والقوانين … طبعا الجواب يكون ان على الشاعر ان يلتزم بالانضباط التام كما غيره سوى شعره فهو حر فيما يقول الا اذا خرق العرف والسلوك المجتمعي وحينها يتحمل هو نفسه او من شايعه المسؤولية الاخلاقية والمهنية والتاريخية الشعرية كما نجد ذلك في غلمانيات ابي نؤاس او نلحظ هذا كذلك في مجمل شعر الهجاء القديم والحديث لا سيما فن النقائض في العصر الاموي او حتى شعر الخلاعة الذي تعف النفس عن ذكره او الاشارة الى شعرائه ..

هذا القول يخص التاريخ الموضوعي للشعر اما ما يخص الفنية الشعرية فان الشاعر او مجموعة الشعراء يجتهدون في الخروج من الرتاية وخلق اساليب جديدة تتناسب وتحديات الشباب وملل التقليد والسعي الى جلب الانتباه او ان يكون عملية اجتهاد وعبقرية من اجل تخطي التقليد الى مسيرة جديدة في تطوير الشعرية كما نجد ذلك في الشعر الحر الذي سعى الى اقراره بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ذلك الذي يقوم اساسا على الاعتماد على البحور الشعرية الصافية اي معنى ذلك الاعتماد على البحور الشعرية ذات التفعيلة المكررة في الصدر والعجز .. مثل بحر الكامل وتكرار تفعيلة ( متفاعلن ) ثلاث مرات في الصدر وثلاث مرات في العجز وهناك مثل ذلك الرمل وتكرار ( فاعلاتن ) والرجز وتكرار مستفعلين وغير ذلك من البحور المعروفة فالشرط في بحور الخليل الالتزام بالتفعيلات بحسب رغبة الشاعر فقد يضع تفعيلة واحدة او اربع او اثنتين بحسب ما يحتمل في عقله وعاطفته من شعور ..

هناك معقولية في رأي السياب اذ ان شروط الالتزام بالبحور الخليلية يعني وجود كثير من الحشو والكلام والقوافي غير الضرورية بل والزائدة التي تثقل البيت من اجل الوزن الشعري وصرامته .

لم يكن الفن السيابي يقتصر على الاوزان التي كانت ظاهرة صادمة وحرية شجاعة ووسيلة تحد وحرية في التعبير تلك أيدها الشباب المتحمس وعاداها ورفضها الجيل الذي ظل متمسكا بالبحور الشعرية لكن المسيرة التجديدية اثبتت مكانتها وانتشرت في الوطن العربي ولم يعد بالامكان تجاوزها بل صار شعراؤها من الطبقة الاولى في بداية الخمسينات ولاحقا صار الشعر السيابي هو القاعدة وغيره هو الاستثناء .

فرض الشعر السيابي حضوره بما حققه الرواد من انجازات شعرية على المستوى الفني والابداعي ولايمكن تجاوز التاريخية الشعرية ودرجة التطور التي عالجها النقاد في كثير من الدراسات  والبحوث .

وللحديث صلة .

قد يعجبك ايضا