المستعمرات القديمة .. سادة العالم الجديد

 

 

عادل عبد المهدي

 

تقاوم الشعوب والدول منذ قرون، قوى الاستعمار والهيمنة العالمية. هنا القانون والمحرك الرئيس. دون وعي ذلك، لن نفهم الاحداث بعمقها، والعلل الاولى التي ولدتها واستقلت عنها، لترتد علينا وتصبح جزءاً من بناءاتنا وازماتنا ومعوقاتنا. ففي الجوهر، لسنا امام عملية جماعية للحضارة والحرية والمساواة والتقدم ومحاربة التطرف، بل عملية اغناء وتمكين الاقلية، وافقار واضعاف الاغلبية.

 

الاستعمار ينهار والعالم يتغير، ويفقد الغرب مكانته وقدرته للحسم. “الناتو” يمتلك (5993) رأساً نووياً، يقابلها (6327) لروسيا والصين. وتمتلك الهند وباكستان والكيان الصهيوني وكوريا الشمالية (160) (165) (90) (20) رأساً على التوالي. وتتأخر القوى البرية الغربية عن خصومها. وللطرفين سلاح جوي وبحري وصواريخ عابرة واقمار اصطناعية كافية لردع الاخر. مع ضعف غربي في ارادة القتال، وتحمل اعباء المواجهات. (انسحابات افغانستان والعراق وغيرهما).

 

اقتصادياً: (2022) تقدمت الصين بناتج اجمالي -ppp بالقدرة الشرائية – (30.177) تريليون دولار، مقابل (25.346) و(23.730) لاميركا والاتحاد الاوروبي، بالتوالي.

 

حصة الصين (2020) من التجارة الدولية (14.7%)، وكانت (1.8%) في (1990)، والولايات المتحدة للفترتين من (11.4%) الى  (8.1%)تكوين رأس المال الثابت (2019-2020) في الصين (6.1) تريليون دولار، والولايات المتحدة (4.4) والاتحاد الاوروبي (3.3) ترليون و(2022)، الدين العام الاميركي (31) تريليون دولار، (33%) منه اجنبياً. والدول الغربية كلها مدينة بديون كبيرة. ويعوض الغرب نفسه، بمصادرة اصول وممتلكات الاخرين، ومراكمة الديون، واصدار المزيد من الدولارات والعملات الوهمية، لتدفع الشعوب والبلدان اثمانها. فالويل لمديوناتنا المجهرية قياساً، فتُفرض علينا اقسى الشروط، (لبنان كمثال).

 

تاريخياً، تناوبت قيادة عملية الهيمنة والاستعمار دول عديدة. واننا نشهد الان ظاهرة تاريخية استقلابية/ايضية (Metabolism) بانتقال مركز الثقل والحيوية للقوى المقاومة، وجلها مستعمرات سابقة.

 

فالاخيرة تشهد نمواً وتستعيد اثقالها الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية والعلمية، وتنظم نفسها (منظمة شنغهاي وبريكس، الخ). (2022)، مثلت (7) دول من المستعمرات السابقة فقط، نصف البشرية بـ(4) مليار نسمة: الصين، والهند، واندنوسيا، وباكستان، ونيجريا، والبرازيل وبنغلاديش.

 

واحتلت (7) دول ثلث مساحة اليابسة، دون حساب غيرها: روسيا، والصين، والبرازيل، والهند، والارجنتين، وكازخستان، والجزائر.

 

الصين ثاني مالك لسندات الخزانة الاميركية (971. مليار دولار، ولكن السعودية والكويت والامارات والعراق يملكون (256.5) مليار مجتمعين.

 

وبين (1950–2021)، ضمن اول (500) جامعة عالمياً، تقدمت الجامعات الاسيوية من (25.39%) الى (35.87%)، وتراجعت اوروبا من (41.97) الى (39.67%)، وامريكا الشمالية من (22.39%) الى (17.41%) .

 

(2021) السجناء: (2.068،000) في الولايات المتحدة، وهي الاولى عالمياً، (25% من سجناء العالم). وارتفع عددهم (10) مرات خلال نصف قرن. (200،000 سجين) في (1972)، بينما ارتفع السكان اقل لنصف مرة تقريباً. من (210 مليون) يومها، الى (332مليون) العام المنصرم.

 

بلغ “معدل الجريمة “Crime Rate (2022)، لعدد من البلدان مرتبة من الاكثر جريمة الى الاقل: فرنسا (51.99) (44)، والولايات المتحدة (47.81) (56)، ولبنان (46.77) (60)، والصين (30.14) (108)، وكوبا (28.33) (111)، وسويسرا (21.62) (131)، والامارات (15.23) (135)، وقطر (12.13) (136). علماً ان الرقم الاول للمعدل والثاني للمرتبة الدولية.

 

وبلغ معدل العمر اميركياً (74.5) عاما، والصين (75)، وايران (75). العينات كثيرة كالاغتصاب والمخدرات والانتحار والتلوث والعائلة والمهاجرين والعنصرية وغيرها، مؤكدة فقدان النموذج فاعليته وجاذبيته السابقة.

 

نعم، ما زال الدولار العملة العالمية الرئيسية، ويسيطر نظام الهيمنة على المصارف الكبرى، ووسائل الاعلام وصناعة الرأي المؤثرة، وقمم المنظمات الدولية والمراكز العلمية. فامكانياته للضغط والتسلط ما زالت جبارة.

 

كشفت الحرب الاوكرانية مكر نظام الهيمنة لاستعادة المبادرة ولاضعاف الاخرين. والأمر نفسه في الملف النووي الايراني، وتايوان ووحدة الصين، الخ. واكدت خطورة التصعيد باستخدام النووي. واهمية النفط والغاز كمصادر اساسية للطاقة عالمياً، وهذا مهم لمنطقتنا. فشهدنا حالات تراجع وتسوية وتمرد، تفرضها ازمة الغرب (فنزويلا وتصديرها النفط)، و(اوبك+)، وترسيم المياه الاقليمية اللبنانية، والقمة الصينية العربية، الخ.

 

منطقة الخليج وبحر العرب والبحر الاحمر والهندي (ونحن منها) منطقة تنافس شديد، لوجود الممرات الاستراتيجية لسلاسل النقل والتوريد والامن والطاقة.

 

الكيان الغاصب للقدس صنيعة نظام الهيمنة والاستعمار، صعد ويتراجع معه. فهو مثله من اهم عوامل ازمات المنطقة والعالم.

 

الانظمة لها بنيتان تديمهما. قاعدية وفوقية. القاعدية كالحقائق الديموغرافية والاقتصادية والقوة والمعرفة والانتاج.. والفوقية كالحكومات والمؤسسات والعلاقات والارادة المثابرة للديمومة، الخ.

 

البنيتان متلازمان ابتداءً. ثم تتباعدان، وتتضادان، لاختلاف تركيبتهما ومرونة وسرعة حركة كل منهما. فتزداد الصعوبات القاعدية لجمودها النسبي، بينما يزداد الانفلات القيادي لمرونته. وكمثال فاضح، اشراف الرئيس السابق نفسه على جريمة سياسية (حتى بالقوانين الاميركية)، باغتيال مسؤولين رسميين لبلدين سياديين، الشهيدين سليماني والمهندس واخوانهما.

 

يعيش نظام الهيمنة -بقدراته الهائلة- معادلة قاتلة يصنعها بنفسه. فهو نظام مادي/كمي/متسرع، يستهلك فوق طاقة بناه القاعدية والبشرية والطبيعية. فتتقلص خياراته، وتضيق مصادر عيشه، مع الاستغلال المرهق للشعوب ولمصادر الحياة. فتبدأ دورة تراجعه وتصاعد بدائله.

 

وبديله وعقبه هذه المرة من خارجه. من مستعمراته، التي تعلمت -بالتدريج – كسب مصادر القوة والحيوية، فتفوقت – في مجالات عديدة – على سيدها السابق.

 

البنية الفوقية المهيمنة ستقاوم، بينما القاعدية تتفكك. مما يفسر هجومية الاولى، رغم تراجع الثانية. فتنقاد لمغامرات مكلفة/فاشلة تزيد الازمة. وهذه ازدوجية تفسر الرؤية المشوشة لمن يرى الهجومية فيخالها تتقدم، ولا يرى التراجع ليدرك مسارات المستقبل.

 

عملية التراجع لطرف والصعود والحيوية للأخر لا رجعة فيها، وستتطلب بعض الوقت لتكمل دورتها. فالقرن (21)، هو بحق قرن الشرق واورواسيا وافريقيا واميركا اللاتينية.

 

لسنا ضد الغرب وشعوبه، بل ضد الهيمنة والاستعمار. فللغرب منجزات كبيرة وقوى تجديدية عظيمة. ومهم جداً بناء الصداقات والشراكات معه، وشرطها الاسس السليمة والمتكافئة.

 

قد يعجبك ايضا